الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٠١ - أخذ صوتا من جارية بثلاثة دراهم فأخذ به من الرشيد ثلاثة آلاف دينار
المغرب و أقمت بمكاني حتى صلّيت العشاء الآخرة على جوع و تعب. و انصرف أهل المسجد و بقي رجل يصلّي، خلفه جماعة خدم و خول [١] ينتظرون فراغه؛ فصلّى مليّا ثم انصرف؛ فرآني فقال: أحسبك غريبا؟ قلت: أجل.
قال: فمتى كنت في هذه المدينة؟ قلت: دخلتها آنفا، و ليس لي بها منزل و لا معرفة، و ليست صناعتي من الصنائع التي يمتّ بها إلى أهل الخير. قال: و ما صناعتك؟ قلت: أتغنّى. قال: فوثب مبادرا و وكّل بي بعض من معه.
فسألت الموكّل بي عنه فقال: هذا سلّام [٢] الأبرش. قال: و إذا رسول قد جاء في طلبي فانتهى بي إلى قصر من قصور الخلافة، و جاوز بي [٣] مقصورة إلى مقصورة، ثم أدخلت مقصورة في آخر الدهليز؛ و دعا بطعام فأتيت بمائدة عليها من طعام الملوك، فأكلت حتى امتلأت. فإني لكذلك إذ سمعت ركضا في الدهليز و قائلا يقول: أين الرجل؟
قيل: هو هذا. قال: ادعوا له بغسول [٤]/ و خلعة و طيب، ففعل ذلك بي. فحملت على دابّة إلى دار الخلافة- و عرفتها بالحرس و التكبير و النيران- فجاوزت مقاصير عدّة، حتى صرت إلى دار قوراء [٥] فيها أسرّة في وسطها قد أضيف بعضها إلى بعض. فأمرني الرجل بالصعود فصعدت، و إذا رجل جالس عن يمينه ثلاث جوار في حجورهنّ العيدان، و في حجر الرجل عود. فرحّب الرجل بي، و إذا مجالس حياله كان فيها قوم قد قاموا عنها. فلم ألبث أن خرج خادم من وراء الستر فقال للرجل: تغنّ، فانبعث يغنّي بصوت لي و هو:
لم تمش ميلا و لم تركب على قتب
و لم تر الشمس إلا دونها الكلل [٦]
تمشي الهوينى كأن [٧] الريح ترجعها
مشي اليعافير [٨] في جيآتها الوهل
/ فغنّى بغير إصابة و أوتار مختلفة و دساتين [٩] مختلفة. ثم عاد الخادم إلى الجارية التي تلي الرجل فقال لها:
تغنّي، فغنّت أيضا بصوت لي كانت فيه أحسن حالا من الرجل، و هو قوله:
/
يا دار أضحت خلاء لا أنيس بها
إلا الظباء و إلا النّاشط [١٠] الفرد
[١] في ح: «و مجول». و في سائر الأصول: «و فحول» و الظاهر أن كليهما محرّف عما أثبتناه.
[٢] خدم المنصور و تولى المظالم للمهدي و عاصر الهادي و الرشيد. (انظر «الطبري» ق ٣ ص ٣٩٣، ٥٢٩، ٦٠٣، ٦٨٤، ٧٤٩، ١٠٧٥، ١٣٨٣).
[٣] كذا في ح. و في سائر الأصول: «و جاوزني» و هو تصحيف.
[٤] الغسول: الماء يغتسل به، أو هو ما تغسل به الأيدي كالأشنان و غيره.
[٥] الدار القوراء: الواسعة الجوف.
[٦] الكلل: جمع كلة و هي ستر يخاط كالبيت (ناموسية).
[٧] في ح: «كأن المشيء يوحشها».
[٨] اليعافير: الظباء. و الوهل: الفزع.
[٩] الدساتين: هي الرباطات التي توضع الأصابع عليها، واحدها دستان. و أسامي دساتين العود تنسب إلى الأصابع التي توضع عليها، فأوّلها «دستان السبابة» و يشدّ عند تسع الوتر، و قد يشدّ فوقه دستان أيضا يسمى «الزائد». ثم يلي دستان السبابة «دستان الوسطى» و قد توضع أوضاعا مختلفة فأولها يسمى «دستان الوسطى القديمة» و الثاني يسمى «دستان وسطى الفرس» و الثالث يسمى «دستان وسطى زلزل» لأنه أوّل من شدّه. فأما الوسطى القديمة فشدّ دستانها على قريب من الربع مما بين دستان السبابة و دستان البنصر.
و دستان وسطى الفرس على النصف فيما بينهما على التقريب. و دستان وسطى زلزل على ثلاثة أرباع ما بينهما إلى ما يلي البنصر بالتقريب. و قد يقتصر من دساتين هذه الوسطيات على واحد و ربما يجمع بين اثنين منها. ثم يلي دستان الوسطى «دستان البنصر» و يشدّ على تسع ما بين دستان السبابة و بين المشط. ثم يلي دستان البنصر «دستان الخنصر» و يشدّ على ربع الوتر. (عن «مفاتيح العلوم» للخوارزمي. و راجع ما كتب في هذا المعنى في تصدير هذا الكتاب ص ٤٠).
[١٠] الناشط: الثور الوحشي و كذلك الحمار الوحشيّ. و الفرد: المنفرد.