الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٧٩ - خانه خالد بن زهير في امرأة يهواها كان خان هو فيها عويم بن مالك
فأقصر [١] و لم تأخذك منّي سحابة
ينفّر شاء المقلعين خريرها
- المقلعين: الذين أصابهم القلع و هو السحاب-.
و لا تسبقنّ الناس منّي بخمطة [٢]
من السمّ مذرور عليها ذرورها
/ أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدّثنا السّكن بن سعيد قال حدّثنا العبّاس بن هشام قال حدّثني أبو عمرو عبد اللّه بن الحارث الهذليّ من أهل المدينة قال:
خرج أبو ذؤيب مع ابنه و ابن أخ له يقال له أبو عبيد [٣]، حتى قدموا على عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه.
فقال [٤] له: أيّ العمل أفضل يا أمير المؤمنين؟ قال: الإيمان/ باللّه و رسوله. قال: قد فعلت، فأيّه أفضل بعده؟
قال: الجهاد في سبيل اللّه. قال: ذلك كان عليّ و إني لا أرجو جنة و لا أخاف نارا. ثم خرج فغزا أرض الروم مع المسلمين. فلما قفلوا أخذه [٥] الموت؛ فأراد ابنه و ابن أخيه أن يتخلّفا عليه جميعا؛ فمنعهما صاحب الساقة [٦] و قال: ليتخلّف عليه أحدكما و ليعلم أنه مقتول. فقال لهما أبو ذؤيب. اقترعا، فطارت القرعة لأبي عبيد، فتخلّف عليه و مضى ابنه مع الناس. فكان أبو عبيد يحدّث قال قال لي أبو ذؤيب: يا أبا عبيد، احفر ذلك الجرف برمحك ثم اعضد [٧] من الشجر بسيفك ثم اجررني إلى هذا النهر فإنك لا تفرغ حتى أفرغ، فاغسلني و كفنّي ثم اجعلني في حفيري و انثل [٨] عليّ الجرف برمحك، و ألق عليّ الغصون و الشجر، ثم اتبع الناس فإن لهم رهجة [٩] تراها في الأفق إذا مشيت كأنها جهامة [١٠]. قال: فما أخطأ مما قال شيئا، و لو لا نعته لم أهتد لأثر الجيش. و قال و هو يجود بنفسه:
أبا عبيد رفع الكتاب
و اقترب الموعد و الحساب
و عند رحلي جمل نجاب
أحمر في حاركه [١١] انصباب
ثم مضيت حتى لحقت الناس. فكان يقال: إنّ أهل الإسلام أبعدوا الأثر في بلد الروم، فما كان وراء قبر أبي ذؤيب قبر يعرف لأحد من المسلمين.
[١] أي كف و لم تأخذك مني سحابة منطق و هجاء كأنه مطر ينفر شاء الناس. و رواه الأصمعيّ: «فإياك لا تأخذك ...». (راجع شرح ديوانه).
[٢] كذا في شرح ديوانه و «لسان العرب» (مادة خمط). و الخمطة: الطرية التي أخذت طعما و لم تستحكم، أو هي التي أخذت ريح الإدراك كريح التفاح و لم تدرك بعد. و المراد هنا اللوم و الكلام القبيح. و معنى البيت أنه ينهاه عن التعرض لشتمه و هجائه. و في الأصول: «منك بحكمة» و هو تحريف.
[٣] في جميع الأصول هنا: «أبو عقيل» و هو تحريف.
[٤] في جميع الأصول: «فقالوا». و التصحيح عن الأستاذ الشنقيطي في هامش نسخته؛ فإن ما في الأصول لا يلائم سياق الخبر.
[٥] مر في أوّل ترجمة أبي ذؤيب ما يخالف ما هنا. (راجع ما كتبه في صفحة ٢٦٦ في الحاشية رقم ٢).
[٦] ساقة الجيش: مؤخرته.
[٧] كذا في «تجريد الأغاني». و عضد الشجر يعضده (بالكسر): قطعه. و في جميع الأصول: «اعمد» و هو تحريف.
[٨] نثل الركية ينثلها (من باب ضرب): أخرج ترابها. و هذا المعنى غير مستقيم في هذا المقام. فلعل صوابه «و أهلى على الجرف ...
إلخ». و أهال عليه التراب: دفعه فانهال.
[٩] الرهجة: ما أثير من الغبار.
[١٠] الجهامة: السحابة لا ماء فيها.
[١١] الحارك: أعلى الكاهل.