حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٣٦٦ - الحمام
أنثى، و بين الأولى و الثانية يوم و ليلة، و الذكر يجلس على البيض و يسخنه جزءا من النهار، و الأنثى بقية النهار، و كذلك في الليل. و إذا باضت الأنثى و أبت الدخول على بيضها لأمر ما ضربها الذكر، و اضطرها للدخول. و إذا أراد الذكر أن يسفد الأنثى أخرج فراخه عن الوكر، و قد ألهم هذا النوع، إذا خرجت فراخه من البيض، بأن يمضغ الذكر ترابا مالحا، و يطعمها إياه، ليسهل به سبيل المطعم. فسبحان اللطيف الخبير الذي آتى كل نفس هداها.
و زعم أرسطو أن الحمام يعيش ثمان سنين. و ذكر الثعلبي و غيره، عن وهب بن منبه في قوله [١] تعالى: وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ مََا يَشََاءُ وَ يَخْتََارُ و قال اختار من النعم الضأن، و من الطير الحمام.
و ذكر أهل التاريخ أن أمير المؤمنين المسترشد [٢] باللّه بن المستظهر باللّه لما حبس رأى في منامه كأن على يده حمامة مطوقة، فأتاه آت فقال له: خلاصك في هذا، فلما أصبح حكى ذلك لابن سكينة الإمام، فقال له: ما أولته يا أمير المؤمنين؟قال أولته ببيت أبي تمام:
هن الحمام فإن كسرت عيافة # من حائهن فإنهن حمام [٣]
و خلاصي في حمامي فقتل بعد أيام يسيرة سنة تسع و عشرين و خمسمائة، و كانت خلافته سبع عشرة سنة و ثمانية أشهر و أياما. و روى البيهقي في الشعب، عن معمر قال: جاء رجل إلى ابن سيرين، رحمه اللّه تعالى فقال: رأيت في النوم، كأن حمامة التقمت لؤلؤة، فخرجت منها أعظم مما دخلت، و رأيت حمامة أخرى التقمت لؤلؤة فخرجت منها أصغر مما دخلت، و رأيت حمامة أخرى التقمت لؤلؤة فخرجت منها كما دخلت سواء. فقال له ابن سيرين: أما التي خرجت أعظم مما دخلت، فذلك الحسن بن أبي الحسن البصري يسمع الحديث فيجوده بمنطقه ثم يصل فيه من مواعظه. و أما التي خرجت أصغر مما دخلت فذلك محمد بن سيرين يسمع الحديث فينقص منه.
و أما التي خرجت كما دخلت سواء فهو قتادة و هو أحفظ الناس. و ذكر ابن خلكان في ترجمته [٤]
يعني ابن سيرين، أن رجلا أتاه فقال له: رأيت كأني أخذت حمامة لجاري فكسرت جناحها، فتغير وجه ابن سيرين و قال: ثم ما ذا؟قال: ثم جاء غراب أسود فسقط على ظهر بيتي فنقبه، فقال له محمد بن سيرين: ما أسرع ما أدبك ربك!أنت رجل تخالف إلى امرأة جارك، و أسود يخالفك إلى امرأتك. قال: و كان ابن سيرين بزازا و كان من موالي أنس بن مالك خادم النبي صلى اللّه عليه و سلم. و حبس بدين كان عليه. و كان يقول: إني لأعرف الذنب الذي حمل به على الدين. قيل له ما هو؟و قال:
قلت لرجل مفلس منذ أربعين سنة: يا مفلس. قال بعضهم: قلت ذنوبهم فعلموا من أين يؤتون، و كثرت ذنوبنا فليس يدري من أين نؤتى. قال: و كان أنس بن مالك رضي اللّه تعالى عنه قد أوصى أن يغسله و يكفنه و يصلي عليه محمد بن سيرين، و كان محمد بن سيرين محبوسا لما مات أنس، فاستأذنوا له الأمير، فأذن له فخرج فغسله و كفنه و صلّى عليه، ثم رجع إلى السجن و لم يذهب إلى أهله. و كان ابن سيرين من أعلام التابعين و كانت له اليد الطولى في علم الرؤيا روي
[١] سورة القصص: الآية ٦٨.
[٢] المسترشد باللّه هو الفضل بن أحمد بن المقتدي، الخليفة العباسي. توفي سنة ٥٢٩ هـ-.
[٣] ديوان أبي تمّام: ٢٤٧.
[٤] وفيات الأعيان: ٤/١٨١.