حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٤٤٦ - فرع
على اللّه من الدواب، فرجع و لم يدخل على النبي صلى اللّه عليه و سلم فأتى أصحابه و قال لهم: أبشروا فقد جاءكم الغوث فظنوا أنه قد أعلم النبي صلى اللّه عليه و سلم بحالهم، فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجلان معهما قصعة مملوة خبزا و لحما فأكلوا ما شاء اللّه، ثم قال بعضهم لبعض: ردوا بقية هذا الطعام على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فردوه، ثم إنهم أتوه فقالوا: يا رسول اللّه لم نر طعاما أكثر و لا أطيب من طعام أرسلته إلينا!فقال صلى اللّه عليه و سلم: «ما أرسلنا إليكم شيئا فأخبروه أنهم أرسلوا صاحبهم إليه، فسأله صلى اللّه عليه و سلم فأخبره بما صنع، فقال [١] صلى اللّه عليه و سلم: «ذلكم شيء رزقكموه اللّه عزّ و جلّ» . قال الشيخ تاج الدين بن عطاء اللّه السكندري: هذه آية مصرحة بضمان الحق الرزق، و قطعت ورود الهواجس و الخواطر عن قلوب المؤمنين، فإن وردت على قلوبهم، كرت عليها جيوش الإيمان باللّه و الثقة به و بضمانه فهزمتها بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.
و ذكر: ابن السني عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه قال: إن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال [٢] :
إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد اللّه احبسوا فإن اللّه عز و جل في الأرض حابسا يحبسها» . قال: الإمام النووي رحمه اللّه تعالى حكى لي بعض شيوخنا الكبار في العلم، أنه انفلتت له دابة، أظنها بغلة، و كان يعرف هذا الحديث، فقاله فحبسها اللّه تعالى عليه في الحال. قال:
و كنت أنا مرة مع جماعة، فانفلتت منهم بهيمة، فعجزوا عنها فقلت هذا الحديث فوقفت في الحال بغير سبب سوى هذا الكلام. و روى ابن السني أيضا، عن الإمام السيد الجليل المجمع على جلالته و حفظه، و ديانته و ورعه و نزاهته، أبي عبد اللّه يونس بن عبيد بن دينار المصري التابعي، المشهور، رحمه اللّه تعالى، أنه قال: ليس رجل يكون على دابة صعبة، فيقول في أذنها: أَ فَغَيْرَ دِينِ اَللََّهِ يَبْغُونَ وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [٣] إلا وقفت بإذن اللّه تعالى. و روى الطبراني، في معجمه الأوسط، من حديث أنس رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: من ساء خلقه من الرقيق و الدواب و الصبيان فاقرءوا في أذنه أَ فَغَيْرَ دِينِ اَللََّهِ يَبْغُونَ وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ . و قد تقدم في باب الباء الموحدة في لفظ البلغة أن النبي صلى اللّه عليه و سلم ركب بغلة فحادت به فحبسها، و أمر رجلا أن يقرأ عليها قل أعوذ برب الفلق فسكنت.
فرع:
في كتب الحنابلة يجوز الانتفاع بالدابة في غير ما خلقت له كالبقر للحمل و الركوب، و الإبل و الحمير للحرث و قوله صلى اللّه عليه و سلم: «بينما رجل يسوق بقرة إذ أراد أن يركبها فقالت: إنا لم نخلق لذلك» . متفق [٤] عليه. المراد أنه معظم منافعها و لا يلزم منه منع غير ذلك. و قال الإمام أحمد من شتم دابة، قال الصالحون: لا تقبل شهادته لحديث المرأة التي لعنت الناقة. و في صحيح [٥] مسلم عن أبي الدرداء رضي اللّه عنه: «لا يكون اللعانون شفعاء و لا شهداء يوم القيامة» .
فرع:
يجب على مالك الدابة علفها و رعيها و سقيها لحرمة الروح كما في الصحيح عذبت
[١] رواه النسائي في الصيد: ٣٥.
[٢] رواه مسلم: توبة ٧.
[٣] سورة آل عمران: الآية ٨٣.
[٤] رواه ابن حنبل: ٢-٢٤٥-٣٨٢-٥٠٢.
[٥] رواه مسلم في البر: ٨٥-٨٦. و أبو داود أدب: ٤٥. و ابن حنبل: ٦/٤٤٨.