حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٣٥٤ - فائدة أخرى
و في كتاب الأذكياء لابن الجوزي، عن الجاحظ أنه قال: قال ثمامة بن أشرس [١] : دخلت على صديق لي أعوده، و تركت حماري على الباب، و لم يكن معي غلام يحفظه، فلما خرجت إذا فوقه صبي يحفظه، فقلت: أركبت حماري بغير أذني؟فقال: خفت أن يذهب فحفظته لك. لو ذهب لكان أعجب إلي من بقائه!فقال: إن كان هذا رأيك في الحمار فقدر أنه ذهب و هبه لي و اربح شكري!فلم أدر ما أقول. و أحسن من هذا الذكاء ما رواه ابن الجوزي أيضا، قال: ركب المعتصم إلى خاقان يعوده، و الفتح بن خاقان صبي يومئذ، فقال له المعتصم: أيهما أحسن غار أمير المؤمنين أم دار أبيك؟قال: إذا كان أمير المؤمنين في دار أبي فدار أبي أحسن. فأراه المعتصم، فصافى يده، و قال: يا فتح هل رأيت أحسن من هذا القص؟قال: نعم اليد التي هو فيها.
و يقرب من هذا و هو من الجواب المسكت، ما ذكره الإمام ابن الجوزي قال: دخل شاب على المنصور، فسأله عن وفاة أبيه، فقال: مات، رحمه اللّه، يوم كذا و كذا، و كان مرضه، رحمه اللّه، يوم كذا، خلف، رحمه اللّه، كذا. فانتهره الربيع و قال أ ما تستحي بين يدي أمير المؤمنين تقول هذا؟فقال الشاب: لا ألومك على انتهاري لأنك لم تعرف حلاوة الآباء! و كان الربيع لقيطا فما أعلم المنصور ضحك كضحكه يومئذ انتهى. و في تاريخ ابن خلكان، في ترجمة الحاكم العبيدي [٢] ، أن الحاكم بأمر اللّه كان له حمار أشهب يدعى بقمر يركبه، و كان يحب الانفراد و الركوب وحده، فخرج راكبا حماره ليلة الاثنين سابع عشر شوال سنة إحدى عشرة و أربعمائة إلى ظاهر مصر، و طاف ليلته كلها و أصبح متوجها إلى شرقي حلوان و معه راكبان، فأعاد أحدهما ثم أعاد الآخر و بقي الناس يخرجون يلتمسون رجوعه و معهم دواب الموكب إلى يوم الخميس سلخ الشهر المذكور. ثم خرج ثاني القعدة جماعة من الموالي و الأتراك فأمعنوا في طلبه و في الدخول في الجبل فرأوا حماره الأشهب الذي كان راكبا عليه، و هو على قرنة الجبل و قد ضربت يداه و رجلاه بسيف، و عليه سرجه و لجامه فتبعوا الأثر فإذا أثر حمار و أثر راجل خلفه و راجل قدامه، فقصوا الأثر إلى البركة التي في شرقي حلوان، فنزل فيها رجل فوجد فيها ثيابه و هي سبع جباب و وجدت مزرورة لم تحل أزرارها، و فيها آثار السكاكين فحملت إلى القصر، و لم يشكوا في قتله. غير أن جماعة من المتغالين في حبهم له السخيفي العقل يدعون حياته و أنه سيظهر و يحلفون بغيبة الحاكم. و يقال إن أخته دست عليه من قتله و كان الحاكم جوادا بالمال سفاكا للدماء. و كانت سيرته عجبا يخترع كل يوم حكما يحمل الناس عليه فمن ذلك أنه أمر الناس سنة خمس و تسعين و ثلاثمائة بكتب سب الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم في حيطان المساجد و القياسر و الشوارع، و كتب إلى سائر الديار المصرية يأمرهم بالسب ثم أمر بقطع ذلك سنة سبع و تسعين. و أمر بضرب من يسب الصحابة و تأديبه و أمر بقتل الكلاب فلم ير كلب في الأسواق و الأزقة إلا قتل و نهى عن بيع الفقاع و الملوخيا، ثم نهى عن بيع الزبيب قليله و كثيره، و جمع جملة كثيرة و أحرقت و أنفقوا على إحراقها خمسمائة دينار، ثم نهى عن بيع العنب أصلا و ألزم اليهود
[١] ثمامة بن أشرس النميري، أبو معن من كبار المعتزلة، فصيح بليغ. مات سنة ٢١٣ هـ-.
[٢] وفيات الأعيان: ٥/٢٩. و الحاكم هو أبو علي المنصور الملقب الحاكم بأمر اللّه بن العزيز بن المعز بن المنصور القائم بن المهدي صاحب مصر. مات سنة ٤١١ هـ-.