حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ١٩ - الأسد
إنه ما قويت أنيابه فعدا بها على الحيوان طالبا غير مطلوب، فكان عدوه بأنيابه علة تحريمه. و قال أبو إسحاق المروزي: هو ما كان عيشه بأنيابه فإن ذلك علة تحريمه. و قال أبو حنيفة:
هو ما افترس بأنيابه و إن لم يبتدئ بالعدو، و إن عاش بغير أنيابه فهذه ثلاث علل: أعمها علة أبي حنيفة، و أوسطها علة الشافعي، و أخصها علة المروزي، فعلى العلتين الأوليين، يحل الضبع لأنه يتناوم حتى يصطاد، و تحل السنانير على قول الشافعي لأنها لم تتقو بأنيابها، و تكون مطلوبة لضعفها، لكن قد صحح الأصحاب تحريمها، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى، في باب السين المهملة. و يحل ابن آوى على ما علله الإمام الشافعي لأنه لا يبتدئ بالعدو، و يحرم على ما علله المروزي لأنه يعيش بنابه، و هذا هو الأصح كما سيأتي قريبا إن شاء اللّه تعالى. و قال مالك: يكره أكل كل ذي ناب من السباع و لا يحرم، و احتج بقوله تعالى: قُلْ لاََ أَجِدُ فِي مََا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىََ طََاعِمٍ يَطْعَمُهُ الآية [١] . و احتج أصحابنا بالحديث المذكور، قالوا: و الآية ليس فيها إلاّ الإخبار بأنه لم يجد في ذلك الوقت محرما إلا المذكورات في الآية، ثم أوحي إليه بتحريم كل ذي ناب من السباع فوجب قبوله و العمل به. قال الشافعي رضي اللّه عنه: و لأن العرب لم تأكل أسدا و لا ذئبا و لا كلبا و لا نمرا و لا دبا، و لا كانت تأكل الفأر و لا العقارب و لا الحيات و لا الحدأ و لا الغربان و لا الرخم و لا البغاث و لا الصقور و لا الصوائد من الطير و لا الحشرات. و أما بيع الأسد فلا يصح لأنه لا ينتفع به و حرم اللّه أكل فريسته.
(الأمثال) : إنما كانت العرب أكثر أمثالها مضروبة بالبهائم، فلا يكادون يذمون و لا يمدحون إلاّ بذلك لأنهم جعلوا مساكنهم بين السباع و الأحناش و الحشرات، فاستعملوا التمثيل بها لذلك. روى الإمام أحمد بإسناد حسن و الحسن بن عبد اللّه العسكري، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما قال: حفظت من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ألف مثل، فلذلك ذكر العسكري في كتابه الأمثال ألف حديث مشتملة على ألف مثل من كلام النبي صلى اللّه عليه و سلم فما يخص الأسد من ذلك أنهم قالوا: «أكرم من الأسد» [٢] «و أبخر من الأسد» [٣] و أكبر من الأسد و «أشجع من الأسد» [٤] و «أجرأ من الأسد» [٥] . و ضربوا المثل بالخوف من الأسد. قال مجنون ليلى [٦] و اسمه عامر بن قيس على خلاف فيه:
يقولون لي يوما و قد جئت حيهم # و في باطني نار يشب لهيبها [٧]
[١] سورة الأنعام: الآية ١٤٥.
[٢] جمهرة الأمثال: ١/٤٦٠.
[٣] المستقصى: ١/١٠.
[٤] جمهرة الأمثال: ١/٤٦٠ و لفظه أشجع من أسامة.
[٥] جمهرة الأمثال: ١/٢٦٦ و لفظه: أجرأ من أسامة.
[٦] مجنون ليلى هو قيس بن الملوّح أو عامر بن قيس، بن مزاحم العامري شاعر غزل من المتيمين لم يكن مجنونا و لكنه لقب لهيامه في حب ليلى بنت سعد. مات سنة ٦٨ هـ. الأعلام: ٥/٢٠٨.
[٧] البيتان ليسا في ديوان المجنون.