العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٨٤ - يوم الصفقة و يوم الكلاب الثاني
عصمة، قتل سيدنا النعمان، و فرسنا، مصاد، و ثأرنا أسيرك و في يدك، فما ينبغي لك أن تستحبيه!فقال: إني ممحل [١] ، و قد أصبت الغنى في نفسي، و لا تطيب نفسي عن أسيري!فاشتراه بنو الحسحاس بمائة بعير. و قال رؤبة بن العجاج: بل أرضوه بثلاثين من حواشي النّعم، فدفعه إليهم، فخشوا ان يهجوهم، فشدوا على لسانه نسعة [٢] ، فقال إنكم قاتليّ و لا بدّ، فدعوني أذمّ أصحابي و أنوح على نفسي!فقالوا: إنك شاعر و نخاف أن تهجونا!فعقد لهم أن لا يفعل، فأطلقوا لسانه و أمهلوه حتى قال قصيدته التي أولها:
ألالا تلوماني كفى اللّوم ما بيا # فما لكما في اللّوم خير و لا ليا
أ لم تعلما أنّ الملامة نفعها # قليل و ما لومي أخي من شماليا [٣]
فيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن # نداماي من نجران أن لا تلاقيا [٤]
أبا كرب و الأيهمين كليهما # و قيسا بأعلى حضرموت اليمانيا [٥]
جزى اللّه قومي بالكلاب ملامة # صريحهم و الآخرين المواليا [٦]
و لو شئت نجّتني من القوم نهدة # ترى خلفها الجرد الجياد تواليا [٧]
و لكنني أحمى ذمار أبيكم # و كاد الرّماح يختطفن المحاميا [٨]
أ حقّا عباد اللّه أن لست سامعا # نشيد الرّعاء المعزبين المثاليا [٩]
أقول و قد شدّوا لساني بنسعة # أ معشر تيم أطلقوا عن لسانيا
[١] ممحل: أصابة المحل أي الفقر.
[٢] النسعة: القطعة من النسع، و هو سير يضفر من جلد.
[٣] الشمال: الخلق.
[٤] عرضت: أتيت العروض، و هي مكة و المدينة و ما حولهما.
[٥] أبو كرب: هو بشر بن علقمة بن الحارث.
[٦] الصريح: الخالصة. و الموالي: الخلفاء المنتمون اليهم.
[٧] النهدة: المرتفعة الخلق. و الجرد: القصار الشعر.
[٨] الذمار: ما يجب حفظه من منعه جار أو طلب ثأر.
[٩] الرعاء: جمع راع. و المعزب: المنتحي بابله. و المثالي: التي نتج بعضها و بقي بعض.