العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٩ - يوم حوزة الثاني
مرة، فلما رأوه قال لهم هاشم: هذا صخر فحيّوه و قولوا له خيرا. و هاشم مريض من الطعنة التي طعنه معاوية، فقال: من قتل أخي؟فسكتوا، فقال: لمن هذه الفرس التي تحتي؟فسكتوا، فقال هاشم: هلمّ أبا حسّان إلى من يخبرك!قال: من قتل أخي؟ فقال هاشم: إذا أصبتني أو دريدا فقد أصبت ثأرك!قال فهل كفنتموه؟قال: نعم، في بردين: أحدهما بخمس و عشرين بكرة [١] . قال: فأروني قبره. فأروه إياه، فلما رأى القبر جزع عنده، ثم قال: كأنكم قد أنكرتم ما رأيتم من جزعي، فو اللّه ما بتّ منذ عقلت إلا واترا أو موتورا، أو طالبا أو مطلوبا، حتى قتل معاوية، فما ذقت طعم نوم بعده!
يوم حوزة الثاني
قال: ثم غزاهم صخر، فلما دنا منهم مضى على الشماء، و كانت غراء محجّلة [٢] ، فسوّد غرتها و تحجيلها، فرأته بنت لهاشم، فقالت لعمها دريد: أين الشماء؟قال: هي في بني سليم، قالت: ما أشبهها بهذه الفرس!فاستوى جالسا فقال: هذه فرس بهيم، و الشماء غراء محجلة. و عاد فاضطجع، فلم يشعر حتى طعنه صخر. قال: فثاروا و تناذروا، و ولى صخر و طلبته غطفان عامة يومها، و عارض دونه أبو شجرة ابو عبد العزى، و كانت أمه خنساء أخت صخر، و صخر خاله، فردّ الخيل عنه حتى أراح فرسه و نجا إلى قومه، فقال خفاف بن ندبة لما قتل معاوية: قتلني اللّه إن برحت من مكاني حتى أثأر به فشد على مالك سيد بني جمح فقتله، فقال في ذلك:
فإن تك خيلي قد أصيب صميمها # فعمدا على عين تيمّمت مالكا [٣]
نصبت له علوى و قد خان صحبتي # لأبني مجدا او لأثأر هالكا [٤]
[١] البكرة: الفتية من الابل
[٢] محجلة: التي يكون البياض منها في موضع الخلاخيل و القيود
[٣] يقال: فعلت ذلك على عين أو عمد عين، أي بجد و يقين
[٤] علوى: فرس خفاف بن عمير