العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٨٨ - اختلاف الشعراء في المعنى الواحد
الرشيد و سهل:
دخل سهل بن هارون على الرشيد و هو يضاحك ابنه المأمون، فقال سهل: اللهم زده من الخيرات، و ابسط له من البركات، حتى يكون بكل يوم من أيامه موفيا على أمسه، مقصرا عن غده!فقال له الرشيد: يا سهل، من روى من الشعر أفصحه و من الحديث أوضحه، إذا رام أن يقول لم يعجزه!قال: يا أمير المؤمنين، ما أعلم أحدا سبقني إلى هذا المعنى. قال: بلى سبقك أعشى همدان، حيث يقول:
رأيتك أمس خير بني معدّ # و أنت اليوم خير منك أمس
و أنت غدا تزيد الضّعف خيرا # كذاك تزيد سادة عبد شمس
و قد يكون مثل هذا و ما أشبهه عن موافقة.
و قد سئل الأصمعي عن الشاعرين يتفقان في المعنى الواحد و لم يسمع أحدهما قول صاحبه فقال: عقول الرجال توافت [١] على ألسنتها.
اختلاف الشعراء في المعنى الواحد
و قد تختلف الشعراء في المعنى الواحد، و كل واحد منهم محسن في مذهبه جار في توجيهه، و إن كان بعضه أحسن من بعض.
أ لا ترى أن الشماخ بن ضرار يقول في ناقته:
إذا بلغتني و حملت رحلي # عرابة فاشرقي بدم الوتين [٢]
و قال الحسن بن هانئ في ضد هذا المعنى ما هو أحسن منه في محمد الأمين:
فإذا المطيّ بنا بلغن محمّدا # فظهورهنّ على الرجال حرام
و قال أيضا:
[١] توافى القوم: تنامّوا.
[٢] عرابة: هو ابن أوس بن قيظى الحارثي الأنصاري. و اشرقي: غصيّ. و الوتين: عرق في القلب اذا انقطع مات صاحبه.