العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٧٨ - الكلاب الأول
الكلاب [١] الأول
قال أبو عبيدة: لما تسافهت بكر بن وائل و غلبها سفهاؤها، و تقاطعت أرحامها، ارتأى رؤساؤهم، فقالوا: إن سفهاءنا قد غلبوا على أمرنا، فأكل القويّ الضعيف، و لا نستطيع تغيير ذلك، فنرى أن نملّك علينا ملكا نعطيه الشاء و البعير، فيأخذ للضعيف من القوي، و يردّ على المظلوم من الظالم، و لا يمكن أن يكون من بعض قبائلنا، فيأباه الآخرون، فتفسد ذات بيننا، و لكنا نأتي تبّعا فنملّكه علينا. فأتوه، فذكروا له أمرهم، فملّك عليهم الحارث بن عمرو آكل المرار الكندي، فقدم فنزل بطن عاقل [٢] .
ثم غزا بكر بن وائل، حتى انتزع عامة ما في أيدي ملوك الحيرة اللخميين، و ملوك الشام الغسانيين، و ردّهم إلى أقاصي أعمالهم. ثم طعن في نيطيه [٣] -أي مات، فدفن ببطن عاقل، و اختلف ابناه شرحبيل و سلمة في الملك، فتواعدا الكلاب، فأقبل شرحبيل في ضبة و الرّباب كلها، و بني يربوع، و بكر بن وائل، و أقبل سلمة في تغلب، و النمر، و بهراء و من تبعه من بني مالك بن حنظلة، و عليهم سيفان بن مجاشع، و على تغلب السفاح، و إنما قيل له السفاح لانه سفح أوعية قومه و قال لهم: انذروا إلى ماء الكلاب. فسبقوا و نزلوا عليه، و إنما خرجت بكر بن وائل مع شرحبيل لعداوتها لبني تغلب، فالتقوا على الكلاب، و استحرّ القتل في بني يربوع، و شد أبو حنش على شرحبيل فقتله، و كان شرحبيل قتل حنشا، فأراد أبو حنش أن يأتي برأسه إلى مسلمة، فخافه، فبعثه مع عسيف [٤] له، فلما رآه مسلمة دمعت عيناه و قال ه: أنت قتلته؟قال لا، و لكنه قتله أبو حنش. فقال: إنما أدفع الثواب إلى قاتله!و هرب أبو حنش عنه، فقال سلمة:
[١] الكلاب: ما بين الكوفة و البصرة
[٢] عاقل: جبل، و قيل واد بنجد.
[٣] النيط: العرق الذي للقلب متعلق به.
[٤] العسيف: الأجير.