العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢١ - يوم اليعمرية لعبس على ذبيان
فهربت بنو عبس، و خافت أن لا تقوم بجماعة بني ذبيان، و اتبعوهم حتى لحقوهم، فقالوا: التفاني أو تقيدونا [١] . فأشار قيس بن زهير على الربيع بن زياد أن لا يناجزوهم، و أن يعطوهم رهائن من أبنائهم حتى ينظروا في أمرهم، فتراضوا أن تكون رهنهم عند سبيع بن عمرو، أحد بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان، فدفعوا إليه ثمانية من الصبيان و انصرفوا و تكافّ الناس، و كان رأي الربيع مناجزتهم [٢] فصرفه قيس عن ذلك، فقال الربيع:
أقول و لم أملك لقيس نصيحة # فقد حشّ جاني الحرب نارا تضرّم [٣]
فمكث رهنهم عند سبيع بن عمرو حتى حضرته الوفاة، فقال لابنه مالك بن سبيع: إن عندك مكرمة لا تبيد إن أنت حفظت هؤلاء الأغيلمة، فكأني بك لو متّ أتاك خالك حذيفة بن بدر فعصر [٤] لك عينيه و قال: هلك سيدنا!ثم خدعك عنهم حتى تدفعهم إليه فيقتلهم، فلا تشرف بعدها أبدا، فإن خفت ذلك فاذهب بهم إلى قومهم. فلما هلك سبيع أطاف حذيفة بابنه مالك و خدعه حتى دفعهم إليه، فأتى بهم اليعمرية، فجعل يبرز كل يوم غلاما فينصبه غرضا، و يقول: ناد أباك!فينادي أباه حتى يقتله.
يوم اليعمرية: لعبس على ذبيان
فلما بلغ ذلك من فعل حذيفة بني عبس أتوهم باليعمريّة، فلقوهم بالحرّة-حرة اليعمرية-فقتلوا منهم اثني عشر رجلا، منهم مالك بن سبيع الذي رمى بالغلمة إلى حذيفة، و أخوه يزيد بن سبيع، و عامر بن لوذان، و الحرث بن زيد، و هرم بن ضمضم أخو حصين. و يقال ليوم اليعمرية: يوم نفر، لأن بينهما أقل من نصف يوم.
[١] تقيدونا: أي تعطونا القاتل نقتله بمن قتل
[٢] المناجزة: المقاتلة و المحاربة
[٣] حش النار: اسعرها
[٤] عصر عينيه: يقال عصر الشيء: اذا استخرج ما فيه من دهن أو ماء و نحوه