العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٠٥ - باب ما أدرك على الشعراء
و قالوا: ليس خروج الضفادع من الماء مخافة الغم و الغرق، و إنما ذلك لانهن يبتن في الشطوط.
و مما أدرك على النابغة قوله يصف الثور:
يحيد عن أستن سود أسافله # مثل الإماء الغوادي تحمل الحزما [١]
قال الاصمعي: إنما توصف الإماء في مثل هذا الموضع بالرواح لا بالغدوّ، لانهن يجئن بالحطب إذا رحن. قال الأخنس التغلبي:
تظل بها ربد النّعام كأنها # إماء يرحن بالعشيّ حواطب [٢]
و أخذ عليه [٣] في وصف السيف قوله:
يقدّ السلوقي المضاعف نسجه # و يوقد بالصفاح نار الحباحب [٤]
فزعم أنه يقدّ الدرع المضاعفة، و الفارس، و الفرس، ثم يقع في الأرض فيقدح النار من الحجارة، و هذا من الإفراط القبيح. و أقبح عندي من هذا في وصف المرأة قوله:
ليست من السّود أعقابا إذا انصرفت # و لا تبيع بأعلى مكة البرما [٥]
و مما أخذ عليه قوله:
خطا طيف حجن في حبال متينة # تمدّ بها أيد إليك نوازع
فشبه نفسه بالدّلو، و شبه النعمان بخطاطيف حجن، يريد خطاطيف معوجة تمدّ بها الدلو. و كان الأصمعي يكثر التعجب من قوله:
و غيّرتني بنو ذبيان خشيته # و هل علي بأن أخشاك من عار
[١] الأستن: شجر يفشو في منابته و يكثر، اذا نظر الناظر اليه من بعد شبهه بشخوص الناس.
[٢] ربد: جمع أربد و ربداء، و هو ما اختلط سواده بكدرة.
[٣] يعود الضمير في عليه الى النابغة.
[٤] السلوقي: الدرع المنسوبة الى سلوق، قرية باليمن. و الصفاح: الحجر البريض. و نار الحباحب: ما اقتدح من شرر النار في الهواء من تصادم الحجارة.
[٥] البرم: جمع برمة، و هي القدر من النحاس، يريد أنها مصونة مخدرة.