العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٥٧ - باب في رواة الشعر
أر حلقة أعظم من حلقة [١] يونس النحوي، فجلست إليه، فقلت له: إني مدحت المهدي بشعر، و أردت ألا أرفعه حتى أعرضه على بصرائكم، و إني تصفحت الحلق فلم أر حلقة أحفل من حلقتك، فإن رأيت أن تسمعه مني فافعل. فقال: يا ابن أخي، إن هاهنا خلفا، و لا يمكن أحدنا أن يسمع شعرا حتى يحضر، فإذا حضر فأسمعه.
فجلست حتى أقبل خلف الأحمر، فلما جلس جلست إليه، ثم قلت له ما قلت ليونس، فقال: أنشد يا بن أخي، فأنشدته حتى أتيت على آخره فقال لي: أنت و اللّه كأعشى بكر، بل أنت أشعر منه حيث يقول:
رحلت سميّة غدوة أجمالها # غضبى عليك فما تقول بدا لها
و كان خلف مع روايته و حفظه يقول الشعر فيحسن و ينحله [٢] الشعراء. و يقال إن الشعر المنسوب إلى ابن أخت تأبط شرّا، و هو:
إنّ بالشعب الذي دون سلع # لقتيلا دمه ما يطلّ [٣]
لخلف الأحمر، و إنما ينحله إياه.
و كذلك كان يفعل حماد الراوية: يخلط الشعر القديم بأبيات له.
قال حماد: ما من شاعر إلا قد زدت في شعره أبياتا فجازت عليه، إلا الأعشى، أعشى بكر، فإني لم أزد في شعره قط غير بيت فأفسدت عليه الشعر. قيل له: و ما البيت الذي أدخلته في شعر الأعشى؟فقال:
و أنكرتني و ما كان الذي نكرت # من الحوادث إلا الشيب و الصّلعا
قال حماد الراوية: أرسل إليّ أبو مسلم ليلا، فراعني ذلك، فلبست أكفاني و مضيت، فلما دخلت عليه تركني حتى سكن جأشي [٤] ، ثم قال لي: ما شعر فيه
[١] الحلقة: مجلس العلم.
[٢] ينحل: ينسب اليه القول و ليس بقائله
[٣] سلع: موضع بقرب المدينة
[٤] الجأش: الاضطراب من حزن أو فزع.