العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١١٢ - يوم ذي قار
و توافت بذي قار، و لم يشهدها أحد من بني حنيفة، و رؤساء بني بكر يومئذ ثلاثة نفر: هانئ بن قبيصة، و يزيد بن مسهر الشيباني، و حنظلة بن ثعلبة العجلي.
و قال مسمع بن عبد الملك العجلي بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل: لا و اللّه ما كان لهم رئيس، و إنما غزوا في ديارهم فثار الناس إليهم من بيوتهم.
و قال حنظلة بن ثعلبة لهانئ بن قبيصة: يا أبا أمامة، إنّ ذمّتكم ذمّتنا عامّة، و إنه لن يوصل إليك حتى تفنى أرواحنا، فأخرج هذه الحلقة ففرّقها في قومك، فإن تظفر فستردّ عليك، و إن تهلك فأهون مفقود. فأمر بها فأخرجت و فرّقت بينهم.
و قال للنعمان: لو لا أنك رسول ما أبت [١] إلى قومك سالما! قال أبو المنذر: فعقد كسرى للنعمان بن زرعة على تغلب و النمر، و عقد الخالد بن يزيد البهراني على قضاعة و إياد، و عقد لإباس بن قبيصة على جميع العرب، و معه كتيبتاه الشهباء و الدوسر، و عقد للهامرز التستري-و كان على مسلحة كسري بالسواد -على ألف من الأساورة، و كتب إلى قيس بن مسعود بن قيس بن خالد ذي الجدّين -و كان عامله على الطّفّ [٢] طفّ سفوان-و أمره أن يوافي إياس بن قبيصة، ففعل.
و سار إياس بمن معه من جنده من طيء، و معه الهامرز، و النعمان بن زرعة و خالد ابن يزيد، و قيس بن مسعود، كل واحد منهم على قومه، فلما دنا من بكر انسلّ قيس إلى قومه ليلا، فأتى هانئا فأشار عليهم كيف يصنعون، و أمرهم بالصبر ثم رجع.
فلما التقى الزحفان و تقارب القوم، قام حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي، فقال: يا معشر بكر، إنّ النّشّاب [٣] الذي مع هؤلاء الأعاجم تفرّقكم، فعاجلوهم اللقاء و ابدءوهم بالشدّة.
و قال هانئ بن مسعود: يا قوم مهلك مقدور، خير من منجى مغرور، إنّ الجزع
[١] أبت: عدت.
[٢] الطفّ: ما أشرف من أرض العرب على ريف العراق.
[٣] النشّاب: النبل، واحدته نشّابة.