العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١١٣ - يوم ذي قار
لا يردّ القدر، و إنّ الصبر من أسباب الظفر. المنيّة خير من الدّنية، و استقبال الموت خير من استدباره، فالجدّ الجدّ، فما من الموت بدّ.
ثم قام حنظلة بن ثعلبة فقطع و ضن [١] النساء فسقطن إلى الأرض، و قال: ليقاتل كل رجل منكم عن حليلته [٢] . فسمي مقطع الوضن.
قال: و قطع يومئذ سبعمائة رجل من بني شيبان أيدي أقبيتهم من مناكبها لتخف أيديهم لضرب السيوف، و على ميمنتهم بكر يزيد بن مسهر الشيباني، و على ميسرتهم حنظلة بن ثعلبة العجلي و هانئ بن قبيصة، و يقال ابن مسعود في القلب، فتجالد القوم، و قتل يزيد بن حارثة اليشكري الهامرز مبارزة، ثم قتل يزيد بعد ذلك، و يقال إنّ الحوافزان بن شريك شدّ على الهامرز فقتله، و قال بعضهم: لم يدرك الحوفزان يوم ذي قار، و إنما قتله يزيد بن حارثة.
و ضرب اللّه وجوه الفرس فانهزموا، فاتّبعهم بكر حتى دخلوا السواد في طلبهم يقتلونهم، و أسر النعمان بن زرعة التغلبي.
و نجا إياس بن قبيصة على فرسه الحمامة، فكان أول من انصرف إلى كسرى بالهزيمة إياس بن قبيصة و كان كسرى لا يأتيه أحد بهزيمة جيش إلا نزع كتفيه، فلما أتاه ابن قبيصة، سأله عن الجيش، فقال: هزمنا بكر بن وائل و أتيناك ببناتهم! فعجب بذلك كسرى و أمر له بكسوة، ثم استأذنه إياس فقال: أخي قيس بن قبيصة مريض بعين التمر، فأردت أن آتيه. فأذن له.
ثم أتى كسرى رجل من أهل الحيرة و هو بالخورنق، فسأل: هل دخل على الملك أحد؟فقالوا: إياس. فظنّ أنه حدّثه الخبر، فدخل عليه و أخبره بهزيمة القوم و قتلهم، فأمر به فنزعت كتفاه.
[١] وضن: جمع وضين، و هو الحزام يشد به الرحل على البعير.
[٢] الحليلة: الزوجة.