العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٣٢ - للنبي صلّى اللّه عليه و سلّم و أصحابه في وباء المدينة
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة # بواد و حولي إذخر و جليل [١]
و هل أردن يوما مياه مجنّة # و هل يبدون لي شامة و طفيل [٢]
قالت عائشة: و كان عامر بن فهيرة يقول:
و قد رأيت الموت قبل ذوقه # إنّ الجبان حتفه من فوقه
كالثور يحمي جلده بروقه [٣]
قالت عائشة: فجئت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فأخبرته، فقال: اللهم حبّب إلينا المدينة كحبّنا مكة و أشدّ، و صححها، و بارك لنا في صاعها و مدّها، و انقل حمّاها فاجعلها بالجحفة [٤] .
و من حديث البراء بن عازب: قال: لما كان يوم حنين رأيت النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، و العباس و أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، و هما آخذان بلجام بغلته. و هو يقول:
أنا النبيّ لا كذب أنا # ابن عبد المطلب
و من حديث أبي بكر بن أبي شيبة عن سفيان بن عيينة يرفعه إلى النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: أنه لما دخل الغار نكب [٥] ، فقال:
«هل أنت إلا أصبع دميت، و في سبيل اللّه ما لقيت» .
فهذا من المنثور الذي يوافق المنظوم و إن لم يتعمّد به قائلة المنظوم. و مثل هذا من كلام الناس كثير يأخذه الوزن، مثل قول عبد مملوك لمواليه:
«اذهبوا بي إلى الطبيب # و قولوا قد اكتوى» .
و مثله كثير مما يأخذه الوزن و لا يراد به الشعر، و لا يسمّى قول النبي صلّى اللّه عليه و سلّم-و إن
[١] الاذخر: حشيش طيب الريح. و الجليل: الثمام.
[٢] المجنة: جبل لبني الدثل خاصة. و شامة و طفيل: جبلان قرب مكة.
[٣] الرّوق: قرن الدابة.
[٤] الجحفة: كانت قرية كبيرة على طريق المدينة.
[٥] نكب: أي نالت الحجارة إصبعه.