العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٦١ - قولهم في الحمام
و تفرّقوا بعد الجميع لأنّه # لا بدّ ان يتفرّق الجيران
لا تصبر الإبل الجياد تفرّقت # بعد الجميع، و يصبر الإنسان!
و قال آخر:
فهل ريبة في أن تحنّ نجيبة # إلى إلفها أو أن يحنّ نجيب [١]
و إذا رجعت الإبل الحنين كان ذلك أحسن صوت يهتاج له المفارقون كما يهتاجون لنوح الحمام.
و قال عوف بن محلّم:
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر # و غصنك ميّاد ففيم تنوح؟ [٢]
و كل مطوّقة عند العرب حمامة، كالدّبسي و القمري و الورشان و ما أشبه ذلك؛ و جمعها حمام، و يقال: حمامة، للذكر و الانثى، كما يقال: بطة، للذكر و الانثى؛ و لا يقال حمام إلاّ في الجمع، و الحمامة تبكي و تغني و تنوح و تغرد و تسجع و تقرقر و تترنم؛ و إنما لها أصوات سجيع لا تفهم فيجعله الحزين بكاء، و يجعله المسرور غناء.
قال حميد بن ثور:
و ما هاج هذا الشوق الا حمامة # دعت ساق حرّ ترحة و ترنما
مطوّقة خطباء تسجع كلّما # دنا الصّيف و انزاح الربيع فأنجما [٣]
تغنّت على غصن عشاء فلم تدع # لنائحة في نوحها متلوّما
فلم أر مثلي شاقه صوت مثلها # و لا عربيا شاقه صوت أعجما
و قال مجنون بني عامر:
ألا يا حمامات اللّوى عدن غدوة # فإني الى اصواتكنّ حزين
فعدن، فلما عدن كدن يمتني # و كدت بأشجاني لهنّ أبين
[١] النجيب من الابل: خيرها.
[٢] الأيك: جمع الأيكة: و هي الشجر الكثير الملتف.
[٣] الخطباء: التي يخالط خضرتها سواد. و أنجم المطر، أقلع.