العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٢٢ - الرشيد و المأمون في الصلاة على موتي
أ سيّدتي هاتي-فديتك-ما جرمي # فأنزل فيما تشتهين من الحكم
كفاك بحقّ اللّه ما قد ظلمتني # فهذا مقام المستجير من الظلم
و قيل لصريع الغواني: أنشدنا فأنشأ يقول:
قد اطّلعت على سرّي و إعلاني # فاذهب لشأنك ليس الجهل من شاني
إنّ التي كنت أرجو قصد سيرتها # أعطت رضا و أطاعت بعد عصيان
ثم قيل للحسن بن هانئ: أنشدنا. فأنشد:
يا ابنة الشيخ اصبحينا # ما الذي تنتظرينا
قد جرى في عوده الما # ء فأجري الخمر فينا
قيل: هذا الهزل. فهات الجد. فأنشأ:
لمن طلل عاري المحلّ دفين # عفا عهده إلا روائم جون [١]
كما افترقت عند المبيت حمائم # غريبات ممسى ما لهنّ و كون [٢]
ديار التي أمّا جنى رشفاتها # فخلو و أما مسّها فيلين
و ما أنصفت، أمّا الشّحوب فظاهر # بوجهي، و أما وجهها فمصون
فقام صريع الغواني يجر ذيله، و خرج و هو يقول: إن هذا مجلس ما جلسته أبدا.
الرشيد و المأمون في الصلاة على موتي
هشام بن عبد الملك الخزاعي قال: كنا بالرّقة مع هارون الرشيد، فكتب إليه صاحب الخبر بموت الكسائي، و إبراهيم الموصلي، و العباس بن الاحنف، في وقت واحد؛ فقال لابنه المأمون: اخرج فصلّ عليهم. فخرج المأمون في وجوه قواده و أهل خاصته، و قد صفّوا له. فقالوا له: من ترى أن يقدم؟قال: الذي يقول:
يا بعيد الدّار عن وطنه # هائما يبكي على شجنه [٣]
[١] الروائم: جمع الرئم: و هو الظبي الخالص البياض.
[٢] و كون: جمع واكن و واكنة: و هي، من الطير، التي تحضن بيضها.
[٣] الشجن: الهم و الحزن.