العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٦٣ - يوم الزّويرين
أشدّ لاجتهاد الناس!قال: و اللّه إني لأبغض الخلاف عليكم، و لكن يأتي مفروق فينظر فيما قلتم. فلما جاء مفروق شاوره أبوه-و ذلك أول يوم ذكر فيه مفروق بن عمرو-فقال له مفروق: ليس هذا أرادوا، و إنما أرادوا أن يخدعوك عن رأيك و حسدوك على رئاستك، و اللّه لئن لقيت القوم فظفرت لا يزال الفضل لنا بذلك أبدا، و لئن ظفر بك لا تزال لنا رئاسة نعرف بها!فقال الأصم: يا قوم، قد استشرت مفروقا فرأيته مخالفا لكم، و لست مخالفا رأيه و ما أشار إليه. فأقبلت تميم بجملين مجللين مقرونين مقيدين، و قالوا: لا نولّي حتى يولي هذان الجملان، و هما الزويران. فأخبرت بكر بقولهم الأصمّ، فقال: و أنا زويركم، إن حشّوهما فحشّوني [١] ، و إن عقروهما فاعقروني!قال: و التقى القوم، فاقتتلوا قتالا شديدا.
قال: و أسرت القوم بنو تميم، حرّاث بن مالك أخا مرة بن همام، فركض به رجل منهم و قد أردفه، و اتبعه ابنه قتادة بن حراث، حتى لحق الفارس الذي أسر أباه، فطعنه فأراده عن فرسه، و استنقذ أباه، ثم استحرّ بين الفريقين القتال، فانهزمت بنو تميم، فقتل منهم مقتلة عظيمة. فممن قتل منهم: أبو الرئيس النهشلي. و أخذت بكر الزويرين، أخذتهما بنو سدوس بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة، فنحروا أحدهما فأكلوه و افتحلوا الآخر، و كان نجيبا، فقال رجل من بني سدوس:
يا سلم إن تسألي عنّا فلا كشف # عند اللّقاء و لسنا بالمقاريف
نحن الذين هزمنا يوم صبّحنا # جيش الزّويرين في جمع الأحاليف
ظلّوا و ظللنا نكر الخيل وسطهم # بالشّيب منّا و بالمرد الغطاريف [٢]
و قال الأغلب بن جشم العجلي:
جاءوا بزويرهم و جئنا بالأصمّ # شيخ لنا قد كان من عهد إرم
يكرّ بالسّيف إذا الرمح انحطم # كهمّة الليث إذا ما الليث همّ
[١] حشّ الدابة: علفها الحشيش.
[٢] المرد: جمع أمرد: و هو الذي طرّ شاربه و بلغ خروج لحيته و لم تبد.