العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٨ - حرب داحس و الغبراء و هي من حروب قيس
أربعين ليلة، و في طرف الغاية شعاب كثيرة، فأكمن حمل بن بدر في تلك الشعاب فتيانا على طريق الفرسين، و أمرهم إن جاء داحس سابقا يردّوا وجهه عن الغاية.
قال: فأرسلوهما فأحضرا [١] ، فلما أحضرا خرجت الانثى من الفحل، فقال حمل بن بدر: سبقتك يا قيس!فقال قيس: رويدا يعدوان الجدد [٢] إلى الوعث و ترشح أعطاف الفحل. قال: فلما أوغلا في الجدد و خرجا إلى الوعث، برز داحس عن الغبراء، فقال قيس: جري المذكيات [٣] غلاء [٤] . فذهبت مثلا، فلما شارف داحس الغاية و دنا من الفتية، وثبوا في وجه داحس فردّوه عن الغاية، ففي ذلك يقول قيس ابن زهير:
و ما لا لاقيت من حمل بدر # و إخوته على ذات الإصاد [٥]
هم فخروا عليّ بغير فخر # وردوا دون غايته جوادي
و ثارت الحرب بين عبس و ذبيان ابني بغيض، فبقيت أربعين سنة لم تنتج لهم ناقة و لا فرس، لاشتغالهم بالحرب، فبعث حذيفة بن بدر ابنه مالكا إلى قيس بن زهير يطلب منه حق السبق، فقال قيس: كلا لا مطلتك به. ثم أخذ الرمح فطعنه به فدق صلبه، و رجعت فرسه عارية، فاجتمع الناس فاحتملوا دية مالك مائة عشراء- و زعموا أن الربيع بن زياد العبسي حملها وحده-فقبضها حذيفة، و سكن الناس.
ثم ان مالك بن زهير نزل اللّقاطة [٦] من أرض الشربة، فأخبر حذيفة بمكانه، فعدا عليه فقتله. ففي ذلك يقول عنترة الفوارس:
فلله عينا من رأى مثل مالك # عقيرة قوم أن جرى فرسان [٧]
[١] الإحضار: ارتفاع الفرس في عدوه.
[٢] الجدد: قضاء لا نبت فيه، و الوعث السهل الكثير الدهس تغيب فيه الأقدام.
[٣] المذكيات من الخيل: التي قد أتى عليها بعد تروحها سنة أو سنتان.
[٤] غلاء: جمع غلوة: أي أن جريها يكون غلوات، أي مغالبة
[٥] الإصاد: الماء الذي لطم عليه داحس.
[٦] اللقاطة: الموضع الذي قتل فيه مالك بن زهير
[٧] العقيرة: الرجل الشريف يقتل