العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٥ - يوم النفراوات لبني عامر على بني عبس
الصّعدات. فقال الحصينان لمن معهما: قد امكننا اللّه من ثأرنا، و لا نريد أن يشركنا فيه أحد. فوقفوا عنهما، و مضيا فجعلا يريغان رياح بن الأسل بالصّعدات، فقال لهما رياح: هذا غزالكما الذي تريغانه [١] . فابتدراه، فرمى أحدهما بسهم فأقصده [٢] ، و طعنه الآخر قبل أن يرميه فأخطأه، و مرت به الفرس، و استدبره رياح بسهم فقتله، ثم نجا حتى أتى قومه، و انصرفوا خائبين موتورين [٣] ، و في ذلك يقول الكميت بن زيد الأسدي، و كان له أمّان من غنيّ:
أنا ابن غنّى والدي # لأمين منهم في الفروع و في الأصل
هم استودعوا زهرا بسيب بن سالم # و هم عدلوا بين الحصينين بالنّبل
و هم قتلوا شاس الملوك و أرغموا # أباه زهيرا بالمذلّة و الثّكل [٤]
يوم النفراوات: لبني عامر على بني عبس
فيه قتل زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي، و كانت هوازن تؤدّي إليه إتاوة، و هي الخراج، فأتته يوما عجوز من بني نصر بن معاوية بسمن في نحي [٥] و اعتذرت إليه و شكت سنين تتابعت على الناس، فذاقه فلم يرض طعمه، فدعسها [٦] بقوس في يده عطل في صدرها، فاستلقت على قفاها منكشفة، فتألّى خالد بن جعفر، و قال:
و اللّه لأجعلن ذراعي في عنقه حتى يقتل أو أقتل!و كان زهير عدوسا مقداما لا يبالي ما أقدم عليه، فاستقل-أي انفرد من قومه-بابنيه و بني أخويه أسيد و زنباع، يرعى الغيث في عشراوات [٧] له وشول [٨] فأتاه الحارث بن الشّريد، و كانت تماضر بنت الشريد تحت زهير، فلما عرف الحارث مكانه أنذر بني عامر بن صعصعة، رهط خالد
[١] أراغ: أراد و طلب
[٢] أقصده: لم يخطئه
[٣] الموتور: الذي قتل حميمه.
[٤] الثكل: فقد الحبيب
[٥] النحي: الزق
[٦] دعسها: طعنها
[٧] عشراوات: النوق التي مضى لحملها عشرة أشهر أو ثمانية.
[٨] الشول: الإبل التي خف لبنها و ارتفع ضرعها