العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٧٥ - ابو العتاهية و ابن هانئ
أشرب و لا أطرب و لا أغضب، فلا يقال الشعر الا بواحدة من هذه.
و قيل للحطيئة: من أشعر الناس؟فأخرج لسانا رقيقا كأنه لسان حية و قال: هذا إذا طمع.
و قيل لكثير عزة: لم تركت الشعر؟قال: ذهب الشباب فما أعجب، و ماتت عزة فما أطرب، و مات ابن ابي ليلى فما أرغب، يريد عبد العزيز بن مروان.
و قالوا: أشعر الناس النابغة إذا رهب، و زهير إذا غضب، و جرير إذا رغب.
و قال عمرو بن هند لعبيد بن الأبرص، و لقيه في يوم بؤسه: أنشدني من شعرك.
قال: حال الجريض [١] دون القريض. و قد يمتنع الشعر على قائله و لا يسلس حتى يبعثه خاطر أو صوت حمامة.
و قال الفرزدق: أنا أشعر الناس عند الناس، و قد يأتي عليّ الحين و قلع ضرس عندي أهون من قول بيت شعر.
و قال الراجز:
إنما الشعر بناء # يبتنيه المبتنونا
فإذا ما نسّقوه # كان غثا أو سمينا
ربما و اتاك حينا # ثم يستصعب حينا
و أسلس ما يكون الشعر في أول الليل قبل الكرى [٢] ، و أول النهار قبل الغذاء و عند مناجاة النفس و اجتماع الفكر، و أقوى ما يكون الشعر عندي على قدر قوة أسباب الرغبة و الرهبة.
قيل للخريمي: ما بال مدائحك لمحمد بن منصور أحسن من مراثيك قال: كنا حينئذ نعمل على الرجاء، و نحن اليوم نعمل على الوفاء، و بينهما بون [٣] بعيد.
[١] الجريض: «حال الجريض دون القريض» . مثل يضرب لأمر يعوق دونه عائق. و الجريض: الغصة.
[٢] الكرى: النعاس و النوم.
[٣] البون: المسافة ما بين الشيئين.