العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٨٣ - يوم الصفقة و يوم الكلاب الثاني
يهمي-أي يسيل-فعصبه، و كتفه-يعني عبد يغوث-ثم أردفه خلفه، فنزفه الدم، فمال عن فرسه مقلوبا. فلما رأى ذلك عبد يغوث قطع كتافه و أجهز عليه و انطلق على فرسه، و ذلك أول النهار، ثم ظفر به بعد في آخره. و نادى مناد قتل اليزيدون.
و شد قبيضة بن ضرار الضبي على ضمرة بن لبيد الحماسي الكاهن فطعنه فخرّ صريعا، فقال له قبيصة: أ لا أخبرك تابعك بمصرعك اليوم!و أسر عبد يغوث، و أسره عصمة بن أبير التيمي.
قال أبو عبيدة: انتهى عصمة بن أبير إلى مصاد و قد أمعنوا في الطلب، فوجده صريعا، و قد كان قبل ذلك رأى عبد يغوث أسيرا في يديه، فعرف أنه هو الذي اجهز عليه، فاقتص أثره، فلما لحقه قال له: ويحك!إني رجل أحب اللين، و أنا خير لك من الفلاة و العطش!قال عبد يغوث: و من أنت؟قال: عصمة بن أبير. قال عبيد يغوث: أو عندك منعة؟قال: نعم، فألقى يده في يده، فانطلق به عصمة حتى خبأه عند الاهتم، على ان جعل له من فداه جعلا [١] فوضعه الاهتم عند امرأته العبشمية [٢] ، فأعجبها جماله و كمال خلقه، و كان عصمة الذي أسره غلاما نحيفا، فقالت لعبد يغوث: من أنت؟قال: انا سيّد القوم!فضحكت، و قالت: قبحك اللّه سيد قوم حين أسرك مثل هذا. و لذلك يقول عبد يغوث:
و تضحك مني شيخة عبشميّة # كأن لم تر قبلي أسيرا يمانيا
فاجتمعت الرباب الى الاهتم فقالت: ثأرنا عندك، و قد قتل مصاد و النعمان، فأخرجه إلينا!فأبى الاهتم ان يخرجه اليهم، فكاد ان يكون بين الحيين: الرباب و سعد، فتنة، حتى أقبل قيس بن عاصم المنقري، فقال: أ يؤتى قطع حلف الربّاب من قبلنا؟و ضرب فمه بقوس فهتمه [٣] فسمّي الأهتم، فقال الاهتم: انما دفعه إليّ عصمة ابن أبير، و لا أدفعه إلا لمن دفعه إليّ، فليجئ فيأخذه. فأتوا عصمة فقالوا: يا
[١] الجعل: جمع جعال، و هو ما جعل على العمل من أجر.
[٢] العبشمية: من بني عبد شمس.
[٣] الأهتم: الذي تكسرت ثناياه من أصلها.