العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٨٢ - يوم الصفقة و يوم الكلاب الثاني
و تقدمت سعد و الرباب في أوائل الخيل، فالتقوا بالقوم فلم يلتفتوا إليهم، و استقبلوا النّعم و لم ينتظر بعضهم بعضا. و رئيس الرباب النعمان بن الحسحاس، و رئيس بني سعد قيس بن عاثم، و أجمع العلماء أن قيس بن عاصم كان رئيس بني تميم.
فالتقى القوم، فكان أول صريع النعمان بن الحسحاس، و اقتتل القوم بقية يومهم، و ثبت بعضهم لبعض حتى حجز الليل بينهم، ثم أصبحوا على راياتهم، فنادى قيس بن عاصم: يا آل سعد!و نادى عبد يغوث: يا آل سعد!قيس يدعو سعد بن زيد مناة، و عبد يغوث يدعو سعد العشيرة، فلما سمع ذلك قيس نادى: يا آل كعب!فنادى عبد يغوث: يا آل كعب!قيس يدعو كعب بن سعد، و عبد يغوث يدعو كعب بن مالك، فلما رأى ذلك قيس نادى: يا آل كعب مقاعس فلما سمعه و علة بن عبد اللّه الجرمي- و كان صاحب لواء اهل اليمن-نادى: يا لمقاعس!تفاءل به فطرح له اللواء، و كان أول من انهزم، فحملت عليهم بنو سعد الرباب فهزموهم، و نادى قيس بن عاصم: يا آل تميم، لا تقتلوا إلا فارسا فإن الرجّالة لكم!ثم جعل يرتجز و يقول:
لما تولّوا عصبا هواربا # أقسمت لا أطعن إلا راكبا [١]
إن وجدت الطعن فيهم صائبا
و قال أبو عبيدة: أمر قيس بن عاصم أن يتبعوا المنهزمة و يقطعوا عرقوب من لحقوا و لا يشتغلوا بقتلهم عن اتّباعهم فجزّوا دوابرهم، فذلك قول و علة:
فدى لكم أهلي و أمي و والدي # غداة كلاب إذ تجزّ الدّوابر [٢]
و سنكتب هذه القصيدة على وجهها. و حمى عبد يغوث اصحابه فلم يوصل إلى الجانب الذي هو فيه، فألظّ [٣] به مصاد بن ربيعة بن الحارث، فلما لحقه مصاد طعنه فألقاه عن الفرس فأسره، و كان مصاد قد أصابته طعنة في مأبضه [٤] ، و كان عرقه
[١] العصب: جمع العصبة، و هي الجماعة من الناس.
[٢] جزّ: قطع.
[٣] ألظ به: لازمه.
[٤] المأبض: باطن الركبة.