العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٩٦ - اختلاف الشعراء في المعنى الواحد
و قد يأتي من الشعر ما هو خارج عن طبقة الشعراء، منفرد في غرائبه و بديع صنعته و لطيف تشبيهه، كقول جعفر بن جدار كاتب ابن طولون:
كم بين باري و بين بمّا # و بين بون إلى دمّما [١]
من رشإ أبيض التراقي # أغيد ذي غنّة أحمّا [٢]
و طفلة رخصة المرائي # ليست تحلّى و لا تسمّى
إلا و سلك من اللآلي # يعجز من يخرج المعمّى
صغرى و كبرى إلى ثلاث # مثل التّعاليل أو أتما
و كم ببمّ و أرض بمّ # و كم برمّ و أرض رمّا [٣]
من طفلة بضّة لعوب # تلقاك بالحسن مستتما
منهنّ ريّا و كيف ريّا # ريّا إذا لاقت المشما
لو شمّها طائر بدوّ # لخرّ في الترب أو لهمّا
تسحب ثوبين من خلوق # قد أفنيا زعفران قمّا [٤]
كأنما جلّيا عليها # من طيب ما باشرا و شمّا
فألفيا زعفران قمّ # فانغمسا فيه و استحما
فهي نظير اسمها المعلّى # يفوح لا مرطها المدمّا [٥]
هيهات يا أخت أهل بمّ # غلطت في الاسم و المسمّى
لو كان هذا و قيل سمّ # مات إذا من يقول سمّا
قد قلت إذ أقبلت تهادى # كطلعة البدر أو أتما
تومي بأسروعة و تخفي # بالبرد مثل القداح حمّا [٦]
[١] بارى: قرية من أعمال كلواذا من نواحي بغداد. و بم: مدينة من مدن كرمان. و دمما: قرية كبيرة على الفرات قرب بغداد. و البون: بليدة بين هراة و نيستور.
[٢] الأحم: الأسود.
[٣] رمّ: موضع بفارس.
[٤] قم: بين أصبهان و ساوة.
[٥] المرط: كساء من صوف أو خز أو كتان. و المدم: أي المطلى بالزعفران.
[٦] الأسروعة: يريد اصبع المرأة.