العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٩٥ - اختلاف الشعراء في المعنى الواحد
فوصف نفسه بالصبر و الجلد و القوّة على التهالك، ثم أدركته الرقة و الاشتياق في البيت الذي بعده:
أغرّك مني أنّ حبّك قاتلي # و أنك مهما تأمري القلب يفعل
مستدركا قوله في البيت الأول:
فسلّي ثيابي من ثيابك تنسل
و لم يزل من تقدّم من الشعراء و غيرهم مجمعين على ذمّ الغراب و التشاؤم به، و كان اسمه مشتقا من الغربة، فسموه غراب البين، و زعموا أنه إذا صاح في الديار أقوت [١] من أهلها، و خالفهم أبو الشّيص فقال ما هو أحسن من هذا و أصدق من ذلك كله، قوله:
ما فرّق الأحباب بعـ # د اللّه إلا الإبل
و الناس يلحون غرا # ب البين لمّا جهلوا [٢]
و ما إذا صباح غراب # ب في الديار احتملوا
و ما على ظهر غرا # ب البين تطوى الرحل
و ما غراب البين إلاّ # ناقة أو جمل
و قال آخر في هذا المعنى و ذكر الإبل:
لهنّ الوجى إذ كنّ عونا على النّوى # و لا زال منها ظالع و كسير [٣]
و ما الشؤم في نعب الغراب و نعقه # و ما الشؤم إلا ناقة و بعير
و من قولنا في هذا المعنى:
نعب الغراب فقلت أكذب طائر # إن لم يصدّقه رغاء بعير
ردّ الجمال هو المحقّق للنّوى # بل شرّ أخلاس لهنّ و كور [٤]
[١] أقوت الدار من أهلها: خلت
[٢] يلحون: يلومون و يعذلون.
[٣] الوجى: رقة القدم أو الحافر أو الخفّ من كثرة المشي.
[٤] الرّد: الظهر. و أحلاس: جمع حلس، و هو كل شيء ولي ظهر البعير و الدابة تحت الرحل و القتب و السرج. و الكور: الرحل.