البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٥٥٠ - القول في الري و الدنباوند
ثم حمله إلى كورة دنباوند فسجنه هناك في جبل يسمى جبل الحدّادين في قرية اسمها قرية الحدادين أيضا. و وكل به أرمائيل و مثّل بين يديه في القلة صورة أفريدون و طلسم عليه طلسما و بنى حوله حوانيت رتّب فيها قوما حدادين يضربون مطارقهم نوائب على سنداناتهم ليلا و نهارا شتاء و صيفا لا يفترون عن ذلك و جعله في كهف عظيم في جوف القلة و أثقله بالحديد و جعل على باب الكهف عدة أبواب حديد و أسقط عن سكان هذه القرية الخراج و العشر و جميع النوائب، فليست عليهم مؤونة إلّا ضرب هذه المطارق على سندانات خالية، و يتكلمون على ضربهم بكلام موزون و يهمسون به عند ضربها لئلا يقطع البيوراسف سلاسله و أغلاله فيقال إنه يلحس أغلاله دائما ليلا و نهارا فتدق عن لحسه، فإذا ضرب [١] هؤلاء بالمطارق عادت إلى حالها في الغلظ و الوثاقة. و يقال إن الطلسم الذي يمنعه من قطع السلاسل بعد لحسه إياها فهو معمول في ضرب هؤلاء الحدادين بمطارقهم.
و مضى أفريدون- بعد أن حبسه في الكهف و استوثق منه- منصرفا إلى دار مملكته [١٤٣ أ] و وكل أرمائيل بحفظ البيوراسف و طعامه. فكان يذبح له في كل يوم رجلين فيغذي بأدمغتهما حيّتيه اللتين على كتفيه أعواما.
ثم إن أرمائيل تحوّب من ذبح الناس فتلطّف في استنقاذهم و احتساب الأجر في إطلاقهم من القتل، فمضى إلى قرية من قرى دنباوند تسمى مندان فبنى على جبلها أبنية جليلة و قصورا عظيمة و جعل فيها بساتين و عيونا تجري في صحون تلك الدور و البساتين، و بنى في بعض تلك القصور بيتا بخشب الساج و الابنوس و صور فيه جميع الصور، فلم يكن لأحد في ناحية المشرق، بناء أشرف منه ارتفاعا و حسنا و دقة نقوش و كثرة عمل و تزاويق و تصاوير و تماثيل.
فما زال ذلك البنيان قائما حتى استنزل المهدي بن المصمغان من القلعة المعروفة بالهيرين- و كان قد أعطاه الأمان- فلما جاء به إلى الري أمر بضرب عنقه.
فلما استخلف الرشيد و صار إلى الري أخبر بمكان ذلك البنيان فصار إليه
[١] في الأصل: فإذا ضربوا.