البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٤٣٩ - في أبنية البلدان و خواصها و عجائبها
على السرير و رأى بهاءها و حسنها و جلالة فرشها و آلتها، استعبر عند ذلك باكيا لخطرة خطرت بباله من ذكر الموت و قال: إذا كان سرور الدنيا الذي يمنعه فناؤه و كثرة ما ينوبه من العاهات، فكيف بسرور الآخرة مع بقائه و خلوصه من كل مكروه؟ و إن في هذا لعبرة ينبغي أن لا تسقط على ذي حجى فيرفض الكثير الفاني القليل الباقي [١]. و ما أحسبنا إلّا و نجد أشرفنا من الدنيا فيما رفضنا من مخفوض مخايلها و أشخصنا الأبصار إلى ما تطأطأ من أعلام غرورها. و نحن أحرياء أن نوجه ذلك جهته، فيكون غفرانا لما بلغته الدنيا فينا من نهمتها.
ثم قال: أيها الناس! إن الذي بلغنا منه بأقصى قدرتنا لا يمتنع من الخراب و البلى بتوزيعنا إياه و فقده إيانا، و ان مداه قليل الغناء عند طول الأجل منا.
ثم نادى مناديه ان الملك يعزم على كل من حضر إلّا قام فأخبر بعيب ان عرفه في بناء الملك فأحجم الناس جميعا عن ذلك. فقام رجل ذميم المنظر رث الهيئة فقال: إن الملك قد عزم علينا بما عزم علينا. فلو لا التأثم من عزمه لكان موضوعا عاما ما أمر به. فلذلك نستجيز أن نقول ما وافقنا و خالفه. و من عيوب بنائه، أنه بني في غيطة من الأرض لا تقع عليه العيون حتى تقرب منه. و أولى المواضع ببناء المدن و الدور، المشرف من الأرض لتعلو على ما حولها، و تنظر [ها] الوفود من بعد. و منها: ان منزل نسائه أعلى منازله. و ذلك دليل في الطيرة على أن أمر النساء سيعلو على أمور الرجال. و منها: ان حق صحن الدار أن يعمر بالخدم و الحاشية و كثرة من يدخل و يخرج. و هذا الصحن يفضل عن حاشية الملك و خواصه و يتسع عنهم. و أخرى لم أشأ ذكرها. فإن يكن الملك قد عرفها [١٠٣ أ] و إلّا فليعفني من ذكرها. فقال له أنوشروان: كأنك تقول إني لم أنفق فيما عملت من هذا درهما من بيوت أموالنا، و إنما عملت ذلك مما أفاءت علينا أطراف الأسنّة و نحور الخيل من أموال أهل حربنا و أعداء أهل ملتنا المكتنفين لحوزتنا. قال: لئن قال الملك ذلك فما أفاد رسما إلّا بإتلاف رأس من رؤوس أساورته و لا عوض
[١] الصواب فيما يبدو هو: فيرفض الكثير الباقي للقليل الفاني.