البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ١٨٩ - القول في الروم
خرق حرير، فهي هذه بعينها، و و اللّه لوددت أن نفسي تطيب بالخروج من ملكي و أكون عبدا لأشرككم ملكه، و لكن نفسي لا تطيب ثم أجازنا و أحسن جائزتنا و سرّحنا.
قال: و لمّا دخل أنوشروان أرض الروم و خرج منها فقد بها رجلا من متطبّبيه يسمّونه الزرسبيذ، فاشتدّ على أنوشروان ذلك، و غبر الرجل بأرض الروم سنين، حتى عرف كلامهم، و قرأ كتبهم، و عظم شأنه، فلمّا أحكم ما يريد انصرف إلى أنوشروان، فعظّم موقعه لما رجا أن يجده عنده ما يحبّ أن يعرف من حال الروم، فخلا به فسأله عن شدّة ما رأى من بأس القوم و نجدتهم، فقال الزرسبيذ: إنّا لم نزل نسمع من الملك أن النجدة قسم شريف، و قد يجمع قسمه أقساما لا تتمّ إلّا بها، و أنه لا يستحقّ أحد اسم البأس و الشدّة إلّا بما يشيّعه من الصبر الذي به يحتمل الإخطار بالنفس، و الأنفة التي بها يقدم على ما أقدم به، و حسن الذكر و البصيرة الذي هو ملاك ذلك كلّه، و رباطة الجأش التي بها يوطّن على ما ناله من إحراز المكرمة و حسن الثناء، و قلّ من رأيته فيهم ممن يستحقّ هذه الصفة، و ذلك لمخالفتهم دينهم الذي يدينون به.
قال: فكيف حظّهم من العلم؟ فوصفهم بقلّته و زعم أن مفتخرهم إنما يفتخر بكتب الفلاسفة في المنطق، و إنما هي غايتهم، قال: فأين مبلغهم من الطبّ؟ قال:
أما الطبّ فمعرفتهم بالطبائع، و الجواهر، و علاج الحرارة و البرودة، و فضول المرّة و البلغم، بالعقاقير المسمّاة لهم، لا يعرفون غير ذلك ممّا بسط لأهل الهند من علاج الأرواح، و الأدواء الغليظة، و الرقى، و الاستعانة ببعض الأرواح على بعض، قال: فالنجوم؟ قال: قلّ حظّهم منه جدّا، قال كسرى: فما بلغك فيما يدّعيه بعضهم من صنعة الذهب و الفضّة، و عن الأصباغ التي يصبغ بها الجوهر، فينقل إلى غير طبائعه، و ما حكي لنا عن طلسماتهم؟ قال: كان ذلك من أهمّ أمورهم عندي أن أظفر به، فلم أجد لشيء من ذلك حقيقة، فأما الطلسمات فإنها أمور قديمة، كان على الأرض من قوى بشيء لشيء قد ألّف من الكلام و الرقى و العقد على تماثيل قد رأيتها بها، ممّا تقادم عمله في الأزمنة الماضية قبل مخرج عيسى