البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٥٩٢ - القول في أرمينية
و بينهما مدينة البيلقان، و يمرّان جميعا فيصبّان في بحر جرجان. و الرسّ واد عجيب، و فيه أنواع من السمك، و فيه يكون الشورماهي و لا يكون إلّا في هذا الوادي، و يجيء في كلّ سنة في وقت معلوم، كمثل أصناف حيتان البحر و قواطع السمك، فإنها تجيء في أوقات معلومة كالاستور، و الجراف، و البرستوج، فإن هذه الأنواع تأتي البصرة من أقاصي البحار تستعذب الماء في ذلك الإبّان، ألا إنّ البرستوج يقبل إليهم من الزنج يستعذب الماء من دجلة البصرة، يعرف ذلك جميع البحريّة، و هم يزعمون أن الذي بين البصرة و عمان أبعد ما بين البصرة و الزنج، و إنما غلط الناس فزعموا أن الصين أبعد لأن بحر الزنج حفيرة واحدة عميقة واسعة، و أمواجه عظام، و لذلك البحر ريح تهبّ قويّة، و من عمان إلى جهة الزنج شهران، فلمّا كان البحر عميقا و الريح قويّة و الأمواج عظيمة و الخيرات ببلاد الزنج قليلة، و كان الشراع لا تحطّ و كان سيرهم مع الوتر، و لم يكن مع القوس و لا يعرفون الكنب و المكا، صارت الأيّام التي تسير فيها قسمة الزنج أقرب، فالبرستوج يقطع أمواج البحر، و يسبح من الزنج إلى البصرة، ثم يعود ما فضل عن صيد الناس إلى بلاده، فتبارك اللّه أحسن الخالقين، و إنما عرف الشورماهي في هذا النهر من بين السمك لطيبه و لذّته و كثرة دسمه و رطوبة لحمه.
قالوا: و لنا المنّ الكثير و هو الترنجبين، و لنا القرمز الذي ليس يشركنا فيه أحد، و هي دودة حمراء تظهر أيّام الربيع، فتلتقط ثم تطبخ و يصبغ بها الصوف، و الأشق دابّة تكون بأرمينية شبه السنّور، ليّنة المفاصل و برة الجلد، و يبلغ الثور جملة و أنيابها جيّدة للمحبّة، تؤخذ أنيابها و مخاليبها فتجفّف و تسقيه من تحبّ فإنه يحبّك حبّا شديدا. و لنا الفوّة الكثيرة، و بها معدن الزيبق و القلقند و القلقطار و الأسربّ، و لهم الثيران الأرمينيّة، و الشاة بلّوط، و الخلنج الكثير، و يتّخذون منه عجائب، و تقطع هذه من غيضة ملتفّة بناحية برذعة، كثيرة الشجر و النبات تتّصل بالخزر و تمرّ إلى ناحية خوارزم تسمّى غيضة الرحمن.
و تقرير أرمينية ألفا ألف و ثلاثة و ثلاثون ألفا و تسع مائة و خمسة و ثمانون درهما.