البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٥٠٧ - ذكر حب الأوطان
الموضع أوقفه عليه. فأمر أن يحفر المكان و يستخرج القرص، ففعلوا ذلك.
فهاجت في وجوههم نار عظيمة منعتهم من استخراجه. فحاولوا ذلك غير مرة و هي تمنعهم. فقال أردشير: بهذه النار أرسلكم. فمن يومئذ عظّمت فارس النار و عبدتها.
و رأينا جماعة من علماء المجوس يدفعون هذا و لا يعترفون به و يزعمون أن تعظيم النار قبل مولد المسيح بالدهر الطويل.
و قال الجاحظ [١]: من المواضع التي عظمت النار لها، أن اللّه عز و جل جعلها لبني إسرائيل في موضع امتحان إخلاصهم و تعرّف صدق نياتهم. فكانوا يتقربون بالقربان، فمن كان منهم مخلصا، نزلت نار من قبل السماء حتى تحيط بقربانه فتأكله. و من لم تأكل النار قربانه، قضوا على صاحبه أنه مذموم القلب فاسد النية.
فهذا باب مما عظم اللّه به شأن النار في صدور الناس. و منه قول اللّه عزّ و جلّ وَ هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى: إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً. فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً.
و قال في موضع آخر الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ.
و النار من أكبر الماعون [٢] [و أعظم المرافق] و لو لم يكن فيها إلّا أن اللّه جل و عز جعلها الزاجرة على المعاصي لكان ذلك مما يزيد في قدرها و في نباهة ذكرها و قال أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ؟ أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ نَحْنُ
[١] من هنا يبدأ ابن الفقيه بالاقتباس- باختصار أحيانا- من الحيوان للجاحظ (٥: ٦٧ و ما بعدها و ٤: ٤٦١ و ما بعدها). و ما وضعناه بين عضادتين هو من الجاحظ لإكمال المعنى فقط، و إلا فحديث الجاحظ عن النار طويل جدا.
[٢] الماعون: ما ينتفع به.