البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٥٠٢ - ذكر حب الأوطان
العدل بالجور. و إذا حال الكذب بالصدق، مال الجور بالعدل. فأطبقت الأرض ذنوبا. فقولوا الصدق و لو بمقياس شعرة، فإنه نور من نور اللّه. و اجتنبوا الكذب و لو بمقياس شعرة فإنه عدة من عدد الشيطان. و اصدقوا من صدقكم يولد الصدق صدقا. و لا تكذبوا من كذبكم فيولد الكذب كذبا. فإن لهما من طبائعهما و جنسهما لقاحا و لهن حلبا. فحلب الصدق و لقاحه لمن تمسك به النجاة. و حلب الكذب و لقاحه لمن تمسك به الهلكة. و ثمرة ذاك داء. و ثمرة هذا دواء.
فكونوا أيها الحكماء صدّيقين تمتلئ أفواهكم نورا، و لا تكونوا كذابين فتغلب على ألسنتكم اللعنة. فإني افتتحت بالله كلاما كنت به صادقا فمشيت على الماء و افتتحت [١٢٦ ب] بالشيطان كلاما كنت به كاذبا فهويت في الظلمة.
فجعلت توبتي من تلك الكذبة عظتي في هذه الصخرة ليتعظ بي متعظ و يأخذ عن تجربتي آخذ. فخذوا هذه الحكمة الناطقة عن هذه الصخرة الصامتة.
[و وقفت أنا و عبد اللّه بن محمد بن زنجويه بن مهران و هو من بنك دهاقنة همذان و أصحاب ساروق و حصنها، فقرأت عليه خبر الإسكندر فأنشدني لنفسه:
قدك عن القهوة و الحور* * * لست مع الشّيب بمعذور
تقدمة الموت مشيب فهل* * * أنت عن اللّهو بمزجور
كم لك يا عاقل من عبرة* * * لو نفع الحذر لمحذور
كتابة في سفح أروندنا* * * في صخرة من عهد سابور
الصدق ميزان الجواد الذي* * * باليسر يأتي بعد معسور
و المين مكيال اللّعين الذي* * * أخرجنا من معدن الحور
يا أيّها الناطق صدقا لقد* * * ملي به فوك من النّور
و أيّها الشاهد زورا لقد* * * هويت في هوّة دردور
إنّي افتتحت القول بالله كي* * * أمشي على ساحل ممخور
فظلت فوق الماء و البحر لي* * * و الموج في طاعة مأمور
و قلت بالشيطان قولا به* * * ظللت في ظلمة ديجور