البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٥٠٣ - ذكر حب الأوطان
كفاك أنّي تائب واعظ* * * في الحجر الصلد عن الزّور
خذ هذه الحكمة عن صخرة* * * تبقى إلى النفخة في الصور] [١]
و قال بعض الحكماء: وجدنا الناس قبلنا كانوا أعظم أجساما و أعظم من أجسامهم أحلاما. و أشدّ قوة و أشد بقوتهم امتحانا. و أطول أعمارا و أطول بأعمارهم للأمور اختبارا.
فكان صاحب الدين منهم أبلغ في أمر الدين علما و عملا من صاحب الدين منا. و كان صاحب الدنيا كذلك. و وجدناهم لم يرضوا بما قلّدوا به من الفضل حتى أشركونا معهم بأنفسهم فيما ابتغوا من علم الآخرة و الأولى. فكتبوا به الكتب الباقية و كتبوا بها التجارب و الفطن و بلغ اهتمامهم بذلك أن الرجل منهم كان يفتح له باب من العلم و كلمة من الصواب و هو بالبلد غير المأهول فيكتبه في صخرة من جبل و على باب قصر خراب، ضنّا منه بذلك و كراهية أن يسقط ذلك الباب و تشذ تلك الكلمة على من يأتي بعدهم.
فكتبوا الكتب الباقية من العلم و كان صنيعهم في ذلك صنيع الوالد المشفق على الولد البار. و كانوا يعمدون إلى المواضع المشهورة و الأماكن المعروفة التي هي أجدر أن تبقى على وجه الدهر و تبعد من الرءوس فيجعلون منها الشيء من الحكم و الباب من العلم كما كتبوا على قبة غمدان و على عمود مأرب و على ركن المشقّر و على سواري الاسكندرية و على إيوان الحضر و على الأبلق الفرد و على الهرمين و على باب الرها و على باب القيروان و على باب سمرقند و على صخرة همذان.
المملحة بفراهان:
قالوا: و من عجائب همذان الملاحة التي برستاق يقال لها فراهان. و هي بحيرة تكون أربعة فراسخ في مثلها. فإذا كانت أيام الخريف و استغنى أهل تلك
[١] ما بين عضادتين من المختصر.