البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٤٩٣ - ذكر حب الأوطان
و قالوا: أكرم الخيل أجزعها من السوط، و أكيس الصبيان أشدّهم بغضا لكتّاب، و أكرم الصبايا أشدّها و لها إلى أولادها. و أكرم الإبل أشدها حنينا إلى [١٢٣ أ] أعطانها، و أكرم المهارة أشدها ملازمة لأمهاتها. و خير الناس أحب الناس للناس. و أفضل المماليك، الصغار لأنهم أسرع طاعة و أسرع قبولا.
و روي عن حليف بن جعفر الربعي [١] قال: أردت الخروج إلى أخوالي بخراسان. فقلت: و اللّه لا خرجت حتى أجدّد لي على سيدي [عهدا] [٢]. فدخل.
فو الله ما كان بين دخوله و خروجه إلّا لمحة لامح، فدخلت و سلمت فردّ السلام و رحب. فبأبي هو و أمي. ما رأيت أحدا أنس إلى أوليائه و محبيه و شيعته منه.
فضاحكني سرورا منه بي. ثم قال: ما جاء بك يا حليف؟ قلت: بأبي أنت و أمي، إني أردت الخروج إلى خراسان لزيارة أخوالي. و إني جئت مستشيرا فأشر عليّ، و أوجز و أطل. فأنت أولى مني بنفسي، لعلي أتعظ بموعظتك و وصيتك، أن تداركني عند آناء الليل و النهار فتنجيني من الموبقات و تردّ عني المعضلات. فقال (عليه السلام): أما إنك لتجاوز النهر الأغر و البلدة الملعونة، شرارها شرار الخلق، و خيارها كالتمر المعلق فوق عراجين النخل أمّا الناظر لا يناله من بعد. هيهات لا يدركه إلّا بفراق التراقي.
فإذا جاوزتها فلا تأسفنّ عليها. هذه بغداد. يوشك أن يبعث اللّه فيها غلاما منا أهل البيت [٣] و لن يؤمن من أهلها إلّا القليل.
أما إنك ستجاوزها إلى بلد تقطع دونه آكاما و أودية حتى تبلغ مدينة يقال لها حلوان، شرارها كالذر و خيارها كالدر. يدفع اللّه من شرارها بخيارها.
أما إنك ستجاوز منها عقبة كؤودا تشرف على مدينة يقال لها همذان، شرارها شرار الخلق و خيارها كالشمس بين الغيم، إذا غابت لم يعرف مكانها و إذا
[١] لم نعثر له على ترجمة فيما بين أيدينا من مصادر.
[٢] زيادة يقتضيها السياق.
[٣] في الأصل: أهل البلد.