البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٣٤٨ - القول في مدينة السلام بغداد
الأعناب بمقادير مختلفة جدا، تنقص و تزيد. إلّا أنني أرى أن الكبير و الصغير و الغني و الفقير متكافئون في أكل الأعناب حتى لا يتعذر على أحد أن يروح في أوان كثرتها و اعتدال أسعارها دون أكله رطلا من العنب العام. ثم ضربنا بعضا ببعض و جعلنا قدر ما يأكله كل إنسان منهم من العنب رطلا واحدا في يوم واحد، رجالا و نساء، صغارا و كبارا، فقراء و أغنياء. فكان مبلغ ذلك من أرطال العنب في يوم واحد مائة و اثنين [١] و تسعين ألف ألف رطل. فكان مبلغ ما اجتمع من هذه الأرطال على أقرب الأسعار المعتدلة في الأعناب العامة حساب اثني عشر رطلا بدرهم، ستة عشر ألف ألف درهم. و في الشهر الواحد أربعمائة و ثمانين ألف ألف درهم. ثم استظهرنا بإسقاط الأطفال و الأمراض و من لا يأكل العنب بتة، فسقط لهم من عدد الأرطال ستة ألف ألف رطل. فحصل من بعد ذلك عدد الأرطال تسعون ألف ألف رطل عنب.
أ فحسبت أيها المعتصم بالعدل و المتفرد بصحة العقل، ان في البعض من ساعات اليوم الواحد و الليلة الواحدة ما يتسع لمن ترى من قاطفي الأعناب و معبئيها و وزّانيها و هم الذين تراهم و ترى أن يضعوا من ذلك ما لا بقي به إلّا من هو في حكم القياس أضعافهم عددا. و لكن للّه نعم ينعم بها، و رحمة يلطف مقدارها عن مقادير عقول المربوبين و تدبير المدبرين، هو الإقرار له بطوله فيها و قدر على ما بسط علينا منها.
و ستعترضك الشكوك فتستريب باليقين الباهر و البرهان المتظاهر. حتى إذا شئت أن لا تنظر بإحدى عينيك [٦٤ أ] و تسمع بالواحدة من أذنيك. علمت أنك إذا رأيت خليفة اللّه أمير المؤمنين و إمام المسلمين، قد حلّ بمحل من الأرض كحلوله بمدينة السلام. و من أطاف بأمير المؤمنين من ولاة العهود و الأمراء و سائر الولد و الوزراء و المتلاحقين بهذه المراتب من الوجوه و الرؤساء و أرباب السيوف و وجوه الكتاب و كتابهم و خواص من حولهم و بهم من أرباب النعم و النماء و أرباب الضياع
[١] في الأصل مائة و اثنان.