البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٣٤٢ - القول في مدينة السلام بغداد
مستجيرين محلا لا تضيق بهم دياره، و لا تمتلئ منهم أقطاره، و لا تغلوا بكثرتهم أسعاره، و لا يتحاكم في أقواتهم تجاره، و لا يعجز عن ميرتهم ممتاره. و لا يحس أهله بالواردين منهم إذا أتوا، و لا الصادرين إذا مضوا.
أ فتحسب أيها الإنسان أن بلدا واحدا لا تخيل علينا أقطاره، و لا يذهب عنا مقداره، و لا تشتبه علينا طرقه، و لا فضل في مسالكه، يسع أجراما فتحركه، و أجساما فتصرفه. لا مقدار لعددها و لا سبيل إلى إحصائها، ثم لا يكون كثرة الناس فيه، و تحركهم في حواشيه إلّا قريبا مما كانوا و شبيها بما عرفوا. إن هذا لشأن عجيب و أمر ظريف.
و سنأخذ العيار من أخصر وجوه الكلام، ثم نجعل ذلك بين حالين لا يخرجان عن تحصيل الخاصة، كما لا يذهبان عن عقول العامة، يشتمل عليهما البرهان الموصول بحجة العيان.
و نصير إلى ذكر المسجد الجامع في الجانب الغربي بمدينة المنصور فنحصله ذرعا مكسرا ثم نقسم ذلك على المصلين فيه في آخر جمعة يجمع الناس من الشهر الشريف، أو أولها، بعد أن نعلم أن كل مصل سيشغل مركزا للصلاة لركوعه و سجوده و قيامه و قعوده و يكون خمسة أشبار في شبر لا تصح الصلاة بما هو دون ذلك من المراكز. ثم نضيف إلى أرباب الصلاة ببغداد الذي سلف منا ذكرهم من أهل البصرة و الأبلة و سائر الكور التي عددناها، و المدائن التي ذكرناها و ما هو بين ذلك و عن يمينه و شماله و من خلفه و قدامه. فنجعلهم ضعفا لمن ضمّت بغداد من أهلها الراتبين فيها. و إن كان بالواجب في كثير من الأقاويل أن يكونوا أضعافا مضاعفة على ما ضمته من أهلها و مساكنها. و قد قلنا إن عدد من ببغداد من الناس رجالا و نساء، صغارا و كبارا ستة و تسعون ألف ألف إنسان. [٦٠ ب] إذا أضعفوا بمن أضيف إليهم مائة و اثنان و تسعون ألف ألف إنسان ثم سقط من هذه العدة بحق النساء و الصبيان و المريض و أهل الذمة. و قد ذكرنا قدر مركز المصلي و أعلمنا أنه خمسة أشبار يضبط بها ركوعه و سجوده و قيامه و قعوده في شبرين لا تطيب الصلاة في دونها. و قد حصل من ذرع المسجد الجامع الغربي دون رحابه و ما زيد فيه مائتا