البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٣٢٩ - القول في مدينة السلام بغداد
و آخر ديار ربيعة إنما هو منازل الشراة. فأراد أن ينزل في وسط ديارهم فيشدّ بهم و يدفع عاديتهم.
و سر مرى ضاحية لا سور يحصنها و لا خندق يمنعها و لا ميرة تقرب منها.
و إنما يشرب جماعة من فيها من النهر الأعظم. و ربما رأيتها إذا اشتد الحر و التهب الهجير و اجتذم القيظ و الراوية في بعض المواضع في بعض الأوقات بدرهمين و أكثر. هذا في السلم و الأمن. فمن حق ما كان مثل هذه من المدن و الكور أن يكون سكانها شجعانا انجادا أبطالا يحمون أنفسهم و يدفعون عن [٥٣ ب] حوزتهم معاقلهم السيوف و تجارتهم الحروب. و إلّا فإن أناخ عليها منيخ و اعتمد على من فيها بكلكله ما كان إلّا بمنزلة من يحرض بريبة و ينازع بخروج نفسه، و ليس هكذا أهل بغداد. لأن لهم آبارا يستعذبون ماءها و يستغنون عن نهرهم الأعظم بها.
و لكن من جميل أمر بغداد أن السلطان آمن من أن يغلب عليها رئيس لبعض الآراء، كغلبة الطالبين كثيرا بالشيعة على أهل الكوفة، و ذلك أن ببغداد من مخالفي الشيعة من يقرن بالشيعة، و بها من مخالفي المعتزلة من يقرن بالمعتزلة. و بها من مخالفي الخوارج من يقرن بالخوارج. فكل فريق يقاوم ضده و يدفعه عن أن يرئسه.
فقد تركوا الرئاسة للسلطان و ربحوا تسليط الفناء و التفاني بالحرب. و لكنه ربما عرضت الآفات و هجمتهم، و ذلك أنه إذا اتصلت المكاره عليهم و دام فيهم جور الولاة و عوملوا من التعنت و طلب الرشى ما لا يحتمله إلّا الذليل و ذو العدة القليل تهايجوا و فزعوا إلى التطوع فحدث منهم مثل الذي حدث عند خروجهم مع سهل بن سلامة [١] في أرباض الحربية. فإنه اجتمع لما تطوّع و دعا إلى إنكار المنكر، زهاء خمسمائة ألف إنسان، و كما هاجوا عند تأذيهم بمحمد بن أوس و صعاليكه القادمين مع سليمان بن عبد اللّه [٢]. فإن الصعاليك لما أسرفوا في الفسق
[١] في تاريخ الطبري ٨: ٥٥١ حوادث ٢٠١ ه- (و في هذه السنة تجردت المطّوّعة للنكير على الفساق ببغداد، و رئيسهم خالد الدريوش و سهل بن سلامة الأنصاري أبو حاتم من أهل خراسان .....) راجع بقية الخبر هناك و في المنتظم ١٠: ٩٢- ٩٣.
[٢] هما محمد بن أوس البلخي و سليمان بن عبد اللّه بن طاهر. انظر أخبارهما لدى الطبري