البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٣٢٨ - القول في مدينة السلام بغداد
موضع في ديار ربيعة و أشسع مكان من أعلى الموصل. و بينهم و بين أدنى تلك المواضع نحو المائة فرسخ. فلو اعترض معترض فقطع ميرة ديار ربيعة و الموصل عنهم ثم كان المتحصن أفضل الأئمة عدلا فضلا عن أمير أو رئيس لاضطروا إلى إخراجه و نفيه عن جوارهم و لا سيما و هم لا يخافون لكثرة عددهم و جليل قدرهم و كثرة السلاح فيهم، و هم مستلئمون فيها. [و لهذا] السبب أيضا لا يمكن أن يتحصن بها ملك. ألا ترى إلى الملوك الذين دوّخوا البلاد و ملكوا العباد، و بنوا المدن و حفروا الأنهار و عمروا الأرض و ساسوا الملك و قارعوا الملوك، لما اتخذ مدينة جعل السور يحيط بالساكنين و بموضع مزدرعهم كما هو موجود بأرض بابل و بناحية سمرقند و بخارا.
و أنت [٥٣ أ] إذا ما سألت عن مدن الشرق و الغرب و الشمال و الجنوب، وجدت الأمر على ما وصفت لك، إلّا المدن المحدثة التي بنتها العرب في الإسلام و هي الكوفة و البصرة و بغداد. و لم تؤت الملوك القدماء من قلة معرفة و لا من جهل بصواب التدبير و السياسة.
فأما واسط و سرمرى فعسكران، و ذلك أن واسط بناها الحجاج منزلا لنفسه و معسكرا لجند أهل الشام، ربأ بهم من مجاورة أهل العراق و معاملتهم. و أهل العراق حينئذ أهل الكوفة و البصرة. و لقد أحسن في اختيار الموضع لأنه جبلي سهلي بري بحري عذب الماء طيب الهواء، يوجد فيه الثلج و الرطب، و القبج و السمك. و إنما كانت واسط مدينة كسكر و جؤجؤ تحضنه المياه. و واسط على حال أجمل من سرمرى و ذلك أن ابن هبيرة تحصن بحصن واسط و قد انتشرت المسودة فيما بين أقصى خراسان إلى مصر، و المنصور مقيم عليه في سادات أهل خراسان و ذوي البأس و النجدة من أهلها، فما وصل إليه إلّا بعد إعطائه إياه الأمان و بذل جميع ما اشترط لنفسه.
فأما سرمرى فإن المعتصم تنحى إليها عن مدينة السلام لسببين أحدهما تبعيدا لمواليه الأتراك عن أمناء الدعوة من أهل مدينة السلام. و الثاني أن ما دون عكبرا