البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٣١٨ - القول في مدينة السلام بغداد
حال، حتى تكون دهرا قطرا، و ليلها و نهارها واحدا بدائم. نجد مع ذلك الذي ينبغي منه دوام بقائه و اتصاله و صفائه، هو ماء نيلهم الأعظم و عزهم الأكبر. فهو الذي لا دوام لمائه و لا اتصال لطيبه و صفائه. فإن مثل الناس بين الهواء بمصر و بين أزمان بغداد المعدلات، و بين نيلها و ما فيه من الحوادث الهائلات و العجائب الطارقات، و كثيرا مما لا يطيب استماعه- فضلا عن مشاهدته- و لو لا ما قد جرت لأهله العادات، و بين ماء دجلتنا و الفرات و غياث السحائب الربيعيات، و أيام الشتاء المدجنات، و ما في السماء من البركات، ميّلوا باطلا و أضاعوا محصولا.
و قد زعم كثير من أهل النظر أنه لولا طلسم بمصر لأغرقها النيل و البحر.
و أن بلدا لا تقوم أركانه، و ثبات أهله و جيرانه إلّا بحيلة من المربوبين، لا يؤمن فسادها، و بعاصمة من المخلوقين تشوبها الظنون، و تزول بدونها عقد اليقين، لعلى خطر عظيم و غرر جليل.
هذا و ليس بين أن ترى ساكنيه عطشى يتشطحون و بين أن يكونوا في السفائن [٤٧ ب] و الزواريق يتزاورون، و في مراكب الطوفان يذهبون و يجيئون فرقا في مواقيت معلومة من الزمان و أحوال معتادة من الأيام.
و مما يزيد بعده بمقادير عقول المصريين، و يجوز لك الدليل على موازين المعدلين بين مصر و مدينة السلام، أن يعلم أن قوما قد زعموا أن الأحكام لم تكن لتملّك على قوم ملكا، و ذلك الملك أنقصهم عقلا و لا أوضعهم رأيا و لا أسيرهم نهما و لا أصغرهم علما، مع تقدم الشهادات لعقول الملوك خاصة. و بالخواص التي تكون مقرونة بهم و منسوبة إلى قرائحهم، عدل الملك في زمانه أو جاره.
و إذا كان هذا هكذا، ثم وجدنا فرعون قد ملك مصر دون غيرها و غلب عليها دونما سواها (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى)، فما ظنك بعقول قوم هذا عقل من ملّكوه عليهم.
و مغرس هذه آثار ثماره، و نتائج أشجاره. و نحن قد فوضنا مصر إلى خمارويه و زدناه من الأقطار إلى حدود الأنبار.
و إذا ذهبنا نقابل المصرين بما ببغداد من الفضائل: وزيرا بوزير و أميرا بأمير