البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ١٨٧ - القول في الروم
و قال: قوموا و علاه سواد
ثم بعث معنا رسولا إلى ملك الروم، فلمّا دنونا من مدينته قال الذين معنا: إن دوابّنا هذه لا تدخل مدينة الملك، و كنّا على رواحل فإن شئتم حملناكم على براذين و بغال، قلنا: لا و اللّه لا ندخل إلّا عليها، فأرسلوا إلى الملك أنهم يأبون، فأرسل أن خلّوا عنهم، فدخلنا معتمّين علينا السيوف على الرواحل، و إذا غرفة مفتوحة ينظر منها إلينا، و أقبلنا حتى أنخنا تحت الغرفة، قلنا:
لا إله إلّا اللّه و اللّه أكبر، قال: و اللّه يعلم لقد انتفضت الغرفة حتى كأنها عذق سعفة ضربها الريح، و أرسل أنه ليس لكم أن تجهروا بدينكم على بابي، فأرسل أن ادخلوا فدخلنا، فإذا عليه ثياب حمر، و إذا كلّ شيء عنده أحمر، و البطارقة حوله فدنونا منه، فإذا هو يفصح العربيّة، فقال لنا و ضحك: ما منعكم أن تحيّوني بتحيّة نبيّكم؟ فإن ذلك أجمل بكم، قلنا: تحيّتنا لا تحلّ لك، و تحيّتك التي تحيّا بها لا تحلّ لنا. قال: و ما هي؟ قلنا السلام عليك. قال: فما تحيّون ملككم؟ قلنا: بهذا نحيّيه. قال: فكيف يردّ عليكم؟ قلنا: كما نقول له. قال: أ فما يرثكم؟ قلنا: لا إنما يرث منا الأقرب فالأقرب. قال: و كذلك ملككم؟ قلنا: نعم. قال: فما صومكم و صلاتكم؟ فوصفنا له. قال: فما أعظم كلامكم؟ قلنا: لا إله إلّا اللّه و اللّه أكبر، فاللّه يعلم أنه انتفض سقفه حتى ظنّ هو و أصحابه أن سيسقط عليهم، ثم قال: هذه الكلمة هي التي نفضت الغرفة؟ قلنا: نعم. قال: و كلّما قلتموها نفضت سقوفكم؟ قلنا: لا. قال: فإذا قلتموها في بلاد عدوّكم تفعل ذلك؟ قلنا: لا، قلنا: و ما رأيناها صنعت ذلك إلّا عندك. قال: ما أحسن الصدق، أما أني وددت أني خرجت إليكم من نصف ملكي، و أنكم كلّما قلتموها ينفض كلّ شيء. قلنا:
و لم ذاك؟ قال: كان ذاك أيسر لشأنها و أجدر ألّا يكون نبوّة، و أن يكون من حيلة الناس. قال: فما كلمتكم التي تقولون لا إله إلّا اللّه ليس معه غيره. قلنا: نعم.
قال: و اللّه أكبر أكبر من كلّ شيء؟ قلنا: نعم. ثم سألنا سؤالا شافيا و خرجنا من عنده، و قد أمر لنا بمنزل حسن، و نزل كثير فمكثنا ثلاثا، ثم أرسل إلينا ليلا فدخلنا عليه، فإذا ليس عنده أحد فاستعادنا القول، فأعدنا عليه، و دعا بشيء كهيئة الرّبعة العظيمة مذهّبة فيها بيوت صغار، عليها أبواب، ففتح بيتا فأخرج منه خرقة سوداء