البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ١١٤ - باب في مدح الغربة و الاغتراب
و كان يقال: من سرّه أن يعيش مسرورا فليقتنع، و من أراد الذكر فليجتهد، و من أراد أن يعتبر فليغترب. و قالوا: لا ينبغي للعاقل أن يكون إلّا في إحدى منزلتين: إمّا في الغاية القصوى من الدنيا و الطلب لها، أو في الغاية و النهاية من الترك لها.
و قال آخر: الدنيا مرعى فمن وجد الكلأ في موضع فليلزمه. و لأبي نواس:
أرى النّفس قد أضحت تتوق إلى مصر* * * و من دونها جوب الحزونة و الوعر
و و اللّه ما أدري أ للخفض و الغنى* * * أساق إليها أم أساق إلى قبري
سأرمي بنفسي عن قريب أمامها* * * و أترك قول العاذلين ذوي الزّجر
لأنّ الّذي قد قدّر اللّه كائن* * * ألا إنّما تجري الأمور على قدر
و قال آخر: السلامة إحدى العصمتين، و المرأة الصالحة إحدى الكاسبين، و اللبن إحدى اللحمين، و العادة إحدى الطبيعتين، و الدعاء للسائل إحدى الصدقتين، و خفّة الظهر أحد اليسارين، و الغربة إحدى اللذّتين.
و أنشدني صديق لابن عبدوس الكاتب:
زعم الّذين تشرّقوا و تغرّبوا* * * أنّ الغريب و إن أعزّ ذليل
فأجبتهم إنّ الغريب إذا أتّقى* * * حيث استقلّ به الركاب جليل
قالوا الغريب يهان قلت تجلّدا* * * إنّ الإله بنصره لكفيل
قالوا إذا مات الغريب ببلدة* * * أدلي و لم يسمع عليه عويل
قلت الغريب كفاه رحمة ربّه* * * و غنى البكاء عن الفقيد قليل
و له أيضا:
يقولون لي لا تغترب قلت إنّني* * * إذا ما اتّقيت اللّه غير غريب
إذا كنت ذا عسر و حال خسيسة* * * أمنت شماتات بها لقريب
و إن كنت ذا مال و حال جليلة* * * فأحذر أن لا يطلبون عيوبي [١]
[١] لعل الأصل هو: ان لا يطلبوا لعيوبي.