المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٤٨ - ثم دخلت سنة إحدى و خمسين و اربعمائة
فحكى «نجدة» لقريش أن السلطان طغرلبك بهمذان في عساكر كثيرة، و هو بنية المسير إلى العراق متى لم يرد الخليفة إلى بغداد، فخاف قريش و ارتاع، فابتاع جمالا عدة، و أصلح بيوتا كثيرة، و أنفذ إلى البرية من يحفر فيها و يعمرها ليدخلها، ثم أنفذ الكتاب الوارد إليه [١] مع «نجدة» إلى البساسيري ليدبر الأمر على مقتضاه، فأنفذ ٢٥/ ب البساسيري إلى بغداد، فأخذ دوابه/ و جماله و رحله إلى مقره بواسط، و كاتب أهله يطيب نفوسهم و يقول: متى صح عزم هذا الرجل على قصد العراق سرت إليكم و أخذتكم، فلا تشغلوا قلوبكم.
و تقدم بأن يسلخ ثور أسود و يؤخذ [٢] جلده فيكسى به رمة أبي القاسم ابن المسلمة، و يجعل قرناه على رأسه و فوقهما طرطور أحمر، ففعل ذلك.
ثم أجاب البساسيري إلى عود الخليفة، و شرط في ذلك شروطا منها: أن يكون هو النائب على باب الخليفة، و الخادم دون غيره، و ردّ خوزستان، و البصرة إليه على قديم عادته، و أن يخطب للخليفة فقط دون أن يشاركه في الخطبة ركن الدين، و بعث مع رسل السلطان طغرلبك إلى الخليفة من يتولى إحلاف الخليفة له على ما اشترط، و عرف البساسيري قرب السلطان، فكاتب أصحابه بالبصرة ليصعدوا إليه ليقصد بغداد، فأعجل الأمر عن ذلك و انحدر حرم البساسيري و أولاده و أصحابهم و أهل الكرخ و المتشبهون في دجلة، و على الظهر و بلغت أجرة السمارية إلى النعمانية عشرة دنانير، و نهب الأعراب و الأكراد أكثر المشاة، و لما وصل السائرون على الظهر إلى صرصر غرق في عبورهم قوم منهم، و بقي أكثر العامة [٣] لم يعبروا، فعطف عليهم بنو شيبان فنهبوهم، و قتلوا أكثرهم، و عروا نساءهم، و تقطعت قطعة منهم في السواد، و كان خروج أصحاب البساسيري في اليوم السادس من ذي القعدة، و كذلك كان دخولهم إلى بغداد في سادس ذي القعدة، و كان تملكهم سنة كاملة، و ثار الهاشميون و أهل باب البصرة إلى الكرخ فنهبوها و طرحوا النار في أسواقها و دروبها، و احترقت دار الكتب التي وقفها
[١] «إليه» سقطت من ص، ت.
[٢] في الأصل: «و يسلخ».
[٣] في ص: «و بقي أكثرهم لم يعبروا».