المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٧٤ - ٣٥٨١- محمد بن محمد
ولد سنة خمس و أربعمائة، و سمع الحديث الكثير، و صحب أبا بكر الخطيب، و تلمذ له و أخذ عنه [١] علم الحديث، فصارت له به معرفة حسنة، و سمع بقراءته الكثير من شيوخه، و روى عنه الخطيب في مصنفاته، و كان بغدادي المولد و المنشأ، ثم سكن سمرقند، و أملى الحديث بأصبهان و غيرها، و كان يرجع إلى عقل كامل، و فضل وافر، و رأي صائب، و صنّف فأجاد، و كان له دنيا وافرة، و كان يملك نحو أربعين قرية بنواحي كش، و كان يخرج زكاة ماله ثم يتنفل بالصدقة الوافرة، فكان ينفذ إلى جماعة من الأئمة الأموال إلى كل بلد واحد من ألف دينار إلى خمسمائة إلى سبعمائة [٢]، فربما بلغ ببعثه عشرة آلاف دينار، و كان يقول: هذه زكاة مالي، و أنا غريب لا أعرف الفقراء ففرقوها أنتم عليهم، و كل من أعطيتموه شيئا من المال فابعثوه إليّ حتى أعطيه عشر الغلة، و كان يصرف أمواله إلى سبل البر [٣].
و حسده قاضي البلد فقال للخضر بن إبراهيم و هو ملك ما وراء النهر: إن له بستانا ليس للملوك مثله. فبعث إليه إني أريد أن أحضر بستانك. فقال للرسول: لا سبيل إلى ١٣٣/ أ ذلك، لأني عمرته من المال الحلال ليجتمع عندي فيه/ أهل الدين، فلا أمكنه من الشرب فيه. فأخبر الأمير فغضب، و أعاد الرسول فأعاد الشريف الجواب، و أراد أن يقبض عليه فاختفى، و طلب فلم ير، فأظهروا أن الخضر قد ندم على ما كان فعل، فظهر فبعث إليه الأمير بعد مدة نريد أن نشاورك في مهمات، فحضر فحبسه و استولى على أمواله.
فحكى بعض وكلائه قال: توصلت إليه و قلت إنهم يأخذون مالك من غير اختيارك فأعطهم ما يريدون و تخلص. فقال: لا أفعل و قد طاب لي الحبس و الجوع، فإنّي كنت أفكر في نفسي منذ مدة و أقول من يكون من أهل [٤] بيت رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلم )لا بد أن يبتلى في ماله و نفسه، و أنا قد ربيت في النعم و الدولة، فلعل فيّ خللا، فلما وقعت هذه الواقعة
[١] في الأصل: «و أحدث عنه»
[٢] في الأصل: «سبعمائة إلى خمسمائة»
[٣] في الأصل: «إلى جهة البر».
[٤] «أهل» سقطت من ص، ت.