المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٥٠ - ٣٥٤٧- محمد بن علي بن محمد
كثير النشوار في درسه، سهل الأخلاق، روى عنه شيوخنا، و عانى الفقر في طلب العلم، فربما استضوأ بسراج الحارس.
و حكى عنه أبو الوفاء ابن عقيل أنه قال: كان لي من الحرص على الفقه في ابتداء أمري أني كنت آخذ المختصرات و أنزل إلى دجلة أطلب أفياء الدور [١] الشاطئية و المسنيات، فأنظر في الجزء و أعيده، و لا أقوم إلا و قد حفظته، و فأدّى بي السعي إلى مسناة الحريم الطاهري، فجلست في فيئها الثخين، و هوائها الرقيق، و استغرقني النظر، فإذا شيخ حسن الهيئة قد اطلع علي، ثم جاءني بعد هنيهة فراش فقال: قم معي. فقمت معه حتى جاء بي إلى باب كبير و عليه جماعة حواش، فدخل بي إلى دار كبيرة و فيها دست مضروب ليس فيها أحد، فأدفاني منه فجلست، و إذا بذلك الشيخ الّذي اطلع علي قد خرج فاستدناني منه، و سألني عن بلدي فقلت: دامغان، و كان عليّ قميص خام وسخ و عليه آثار الحبر، فقال: ما مذهبك، و على من تقرأ؟ فقلت: حنفي، قدمت منذ سنين و أقرأ على الصميري، و ابن القدوري. فقال: من أين مؤنتك؟ قلت: لا جهة لي أتمون ١٢١/ ب منها. فقال: ما تقول في مسألة كذا و كذا [٢] من الطلاق؟ و بسطني ثم قال: تجيء كل خميس إليّ ها هنا. فلما جئت أقوم أخذ قرطاسا و كتب شيئا [و دفعه إليّ] [٣] و قال:
تعرض هذا على من فيه اسمه و تأخذ [٤] ما يعطيك. فأخذته و دعوت له، فأخرجت من باب آخر غير الّذي دخلت منه، و إذا عليه رجل مستند إلى مخدة، فتقدمت [إليه فقلت] [٥]: من صاحب هذه الدار؟ فقال: هذا ابن المقتدر باللَّه. فقال: فما معك؟
فقلت: شيء كتبه لي. فقال: بخطه، أين كان الكاتب؟ فقلت: على من هذا؟ فقال:
على رجل من أهل باب الأزج: عشر كارات دقيق سميد فائق، و كانت الكارة تساوي ثمانية دنانير، و كتب لك بعشرة دنانير. فسررت و مضيت إلى الرجل، فأخذ الخط و دهش، و قال: هذا خط مولانا الأمير.، فبادر فوزن الدنانير و قال: كيف تريد الدقيق؟
[١] في الأصل: «أتقيا البيوت»
[٢] «و كذا» سقطت من ص، ت.
[٣] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
[٤] في ص: «و خذ».
[٥] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.