المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٠٨ - ٣٣٩٤- عبد الملك بن محمد بن يوسف، أبو منصور، الملقب بالشيخ الأجل
و ثلاثمائة، و سمع أبا عمر بن مهدي، و أبا الحسن بن الصلت، و أبا الحسين [١] بن بشران، و غيرهم، و كان أوحد أهل زمانه في فعل المعروف، و القيام بأمور العلم، و النصرة لأهل السنة، و القمع لأهل البدع، و افتقاد المستورين بالبر، و دوام الصدقة، و كان إذا وصل أحد وصله سرا [٢] حيث لا يراه أحد، فإذا شكره المعطي قال: إنما أنا في هذه العطية وسيط و ليست من مالي، و لما انحدر البساسيري إلى واسط أخذ ابن يوسف معه فنزل على رجل طحان، فلما رحل عنه أعطاه شيئا ثم مضت مدة فركب [٣] الطحان ديون، فقصد بغداد و دخل على ابن يوسف فأكرمه، و أفرد له حجرة، و كساه و أمر بعض غلمانه [٤] أن يسأله سبب قدومه فأخبره، فحدّث ابن يوسف بذلك، فأرسل رجلا إلى واسط و اكترى له سفينة، و حمل فيها ما يصلح حمله من الفواكه و التحف و كسوة كبيرة، و أعطاه مائتي دينار و قال له: ناد في الجامع من له دين على فلان فليحضر و معه وثيقته، فإذا حضروا فعرفهم فقره، و إن رجلا أقرضه شيئا ليصالحوه على بعض ديونهم. ففعل ذلك، و أشهد عليهم بالقبض، و حمل تلك التحف إلى بيت الطحان، و عاد الطحان فظن أن ابن يوسف قد نسيه، فأحضره و سأله عن سبب قدومه فأخبره الوثائق، و أعطاه مائة دينار.
٥٥/ ب قال/ المصنف رحمه اللَّه: قرأت بخط أبي الوفاء بن عقيل قال: كان أبو منصور بن يوسف عين زماننا، و كان قد انتقد أهل زمانه فاستعمل كل واحد منهم فيما يصلح لهم، فاستعمل للحجر و الباعة أفره من وجد من الأحداث الأقوياء الشطار، فما قهر على رأي و لا كسر له غرض في بيع، و استعمل في إقامة الديانة الحنابلة مشايخ أفراد زهاد متنزهين عن معاشرة السلاطين و مكاثرة أبناء الدنيا يقصدون و لا يقصدون، العوام تعظمهم و تحبهم، و السلاطين توقرهم، و أخذ بالعطاء و الكفاية [٥] أصحاب
[١] في الأصل: «أبا الحسن».
[٢] في ص: «و كان إذا وصله أحد وصل في سر».
[٣] في الأصل: «فركبت».
[٤] في ص: «بعض أصحابه».
[٥] في الأصل: «بالكفاية و العطاء».