المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣١١ - ٣٦٢٩- ملك شاه، و يكنى أبا الفتح بن أبي شجاع محمد ألب أرسلان ابن داود بن ميكائيل بن سلجوق الملقب جلال الدولة
فجاز على بستان فطلب منه ماء ليشرب، فأخرجت له صبية إناء فيه ماء قصب السكر و الثلج فشربه، فاستطابه فقال: هذا كيف يعمل؟ فقالت: من قصب السكر يزكو عندنا حتى نعصره بأيدينا فيخرج منه هذا الماء. فقال: احضريني شيئا آخر منه [فمضت و هي لا تعرفه] [١] فنوى في نفسه اصطفاء المكان لنفسه و تعويضهم عنه، فما كان بأسرع من أن خرجت باكية فقال لها: ما لك؟ فقالت. نية سلطاننا قد تغيرت علينا. فقال لها: من أين علمت؟ قالت كنت آخذ من هذا الماء ما أريد من غير تعسف، و الآن فقد اجتهدت في العصر فلم يسمح ببعض ما كان يخرج عفوا. فعلم صدقها فقال: ارجعي الآن فإنك تلقين الغرض، و نوى أن لا يفعل ما عزم عليه، فخرجت و معها ما شاءت و هي مستبشرة.
فلما حكى الواعظ هذا قال له السلطان: أنت تحكي لي مثل هذا فلم لا تحكي للرعية أن كسرى اجتاز وحده على بستان فقال للناطور: ناولني عنقودا من الحصرم [فقد كظني العطش و استولت علي الصفراء] [٢] فقال له: ما يمكنني، فإن السلطان لم يأخذ حقه منه فما يمكنني جنايته، فعجب من حضر و كان فيهم نظام الملك، من مقابلة السلطان تلك الحكاية بهذه، و استدلوا على قوة فطنته، و قد سار هذا السلطان من أصبهان إلى أنطاكية، و عاد إلى بغداد، فما نقل أن أحدا من عسكره أخذ شيئا بغير حق و دخل إلى بغداد ثلاث مرات و كان الناس يخافون الغلاء فيظهر الأمر/ بخلاف ما ظنوا، و كانت ١٥٠/ ب السوقة تخترق عسكره ليلا و نهارا، و السوادي يطوف بالتين و الدجاج في وسط العسكر و لا يخافون و لا يبيعون إلا بما يريدون. و تقدم بترك المكوس فقال له أحد المستوفين يا سلطان، العام قد أسقطت من خزائن أموالك ستمائة ألف و نيفا فيما هذا سبيله، فقال:
المال مال اللَّه، و العبيد عبيده، و البلاد بلاده، و إنما يبقى في ذلك، فمتى راجعني أحد في ذلك تقدمت بضرب عنقه.
و ذكر هبة اللَّه بن المبارك بن يوسف السقطي في تاريخه قال: حدثني عبد السميع بن داود العباسي قال: قصد ملك شاه رجلان من أهل البلاد السفلى من أرض العراق يعرفان: بابني غزال، من قرية تعرف بالحدادية، فتعلقا بركابه و قالا: نحن من
[١] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
[٢] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.