المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٠٩ - ٣٣٩٤- عبد الملك بن محمد بن يوسف، أبو منصور، الملقب بالشيخ الأجل
عبد الصمد، و هم أئمة [١] المساجد و الزهاد، و استعبد القصاص و الوعاظ، و أكرم بني هاشم الأشراف بالعطاء الجزيل، ثم عطف على الشحن و العمداء و العرب و التركمان فأرغبهم [٢] باللطائف و الهدايا، فصار في الحشمة و المحبة الّذي لا يناله أحد، فاحتاج إلى جاهه الخلفاء و الملوك، و ما كان يسمع منه كلمة تدل على فعل فعله، و لا إنعام أسداه، و لا منة على أحد، و صمد لحوائج الناس، و كان يعظم من يقصده في حاجة أكثر من تعظيمه من يقصده في غير حاجة.
و تولى ابن يوسف المارستان و هو لا يوجد فيه دواء و لا طبيب، و المرضى ينامون على بواري النقض، فطبقه بخمسة و عشرين ألف طابق، و رتب فيه ثمانية و عشرين طبيبا، و ثلاثة خزان [٣]، و ابتاع له أملاكا نفيسة و كان مقدما عند السلاطين.
و لقد ماتت ابنته و كانت زوجة أبي عبد اللَّه بن جردة، فتبعها الأكابر و القضاة، و مشوا بعض الطريق، و جاءت صلف القهرمانة بطعام و شراب من عند الخليفة.
و توفي ابن يوسف في داره بباب المراتب يوم الثلاثاء، و دفن يوم الأربعاء لأربع عشرة من محرم هذه السنة بقبر أحمد،/ و أبيه و جده لأمه أبي الحسين بن ٥٦/ أ السوسنجردي [٤]، و غسله القاضي أبو الحسين بن المهتدي، و صلى عليه ابنه أبو محمد الحسن داخل المقصورة، و تبعه مائة ألف رجل سوى النساء، و عطلت أسواق بغداد.
قال محمد بن الفضل الهمذاني: حدثني رجل من أهل النهروان أن ابن يوسف كان يعطيه كل سنة عشرة دنانير، فأتى بعد وفاته إلى ابن رضوان فأذكره بها، فأعرض عنه، فألح عليه، فقال له: اطلب من الّذي [٥] كان يعطيك. فمضى إلى قبر ابن يوسف، و جلس عنده يترحم عليه و يقرأ القرآن، فوجد عنده قرطاسا فيه عشرة دنانير فأخذه، و جاء إلى ابن رضوان فعرفه الحال، فتعجب و تفكر، فذكر أنه زار القبر و في صحبته كواغد فيها
[١] في المطبوعة: «أصحاب».
[٢] في ص: «فقعدعهم».
[٣] في الأصل: «خوان».
[٤] في الأصل: «الوسنجري».
[٥] في ص: «ممن كان».