المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣١٢ - ٣٦٢٩- ملك شاه، و يكنى أبا الفتح بن أبي شجاع محمد ألب أرسلان ابن داود بن ميكائيل بن سلجوق الملقب جلال الدولة
أسفل واسط من قرية تعرف بالحدادية [١]، مقطعة لخمارتكين الحلبي، صادرنا على ألف و ستمائة دينار، و كسر ثنيتي أحدنا و الثنيتان بيده، و قد قصدناك أيها الملك لتقتص لنا منه، فقد شاع من عدلك ما حملنا على قصدك، فإن أخذت بحقنا كما أوجب اللَّه عليك و إلا فاللَّه الحاكم بالعدل بيننا. و فسر على السلطان ما قالاه. قال عبد السميع:
فشاهدت السلطان و قد نزل عن فرسه و قال: ليمسك كل واحد منكما بطرف كمي و اسحباني إلى دار حسن هو نظام الملك [فأفزعهما] [٢] ذلك، و لم يقدما عليه، فأقسم عليهما إلا فعلا، فأخذ كل واحد منهما بطرف كمه و سارا به إلى باب النظام، فبلغه الخبر، فخرج مسرعا و قبّل الأرض بين يديه و قال أيها السلطان المعظم، ما حملك على هذا؟ فقال: كيف يكون حالي غدا بين يدي اللَّه [٣] إذا طولبت بحقوق المسلمين و قد قلدتك هذا الأمر لتكفيني مثل هذا الموقف، فإن تطرق على الرعية ثلم لم يتطرق إلا بك و أنت المطالب، فانظر بين يديك، فقبّل/ الأرض و سار في خدمته، و عاد من وقته، فكتب بعزل خمارتكين و حل اقطاعه، و ردّ المال إليها [٤] و قلع ثنيتيه إن ثبت عليه البينة، و وصلهما بمائة دينار، و عادا من وقتهما.
و استحضر ملك شاه مغنية مستحسنة بالري فأعجبته بغنائها و استطابه، فتاقت نفسه إليها فقالت له: يا سلطان، إني أغار على هذا الوجه الجميل أن يعذّب بالنار و أن بين الحلال و الحرام كلمة. فقال: صدقت. و استدعى القاضي فزوّجه إياها و كان هذا السلطان قد أفسد عقيدته الباطنية، ثم رجع إلى الصلاح.
قال المصنف: نقلت من خط ابن عقيل قال: كان الجرجاني الواعظ مختصا بجلال الدولة فاستسرني أن الملك قد أفسده الباطنية، فصار يقول لي: أيش هو اللَّه؟
و إلى ما تشيرون بقولكم اللَّه؟ فبهت و أردت جوابا حسنا فكتبت: اعلم أيها الملك أن هؤلاء العوام و الجهال يطلبون اللَّه من طريق الحواس، فإذا فقدوه جحدوه، و هذا لا يحسن بأرباب العقول الصحيحة، و ذلك أن لنا موجودات ما نالها الحس، و لم يجحدها العقل، و لم يمكننا جحدها لقيام دلالة العقل على إثباتها، فإن قال لك أحد من هؤلاء:
[١] «تعرف بالحدادية» سقطت من ص، ت.
[٢] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
[٣] في ص: «عند اللَّه»
[٤] في ص: «ورد المال عليهما و قال: و قلع ...»