المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٠١ - بناء مشهد الإمام أبي حنيفة
و أربعمائة و أنا ابن خمس سنين أو دونها بأشهر، و كان المنفق عليه تركيا قدم حاجا، ثم قدم أبو سعد [١] المستوفي، و كان حنفيا متعصبا، و كان قبر أبي حنيفة تحت سقف عمله بعض الأمراء [٢] التركمان، و كان قبل ذلك و أنا صبي عليه خربشت خاصا له، و ذلك في سنتي سبع أو ثمان و ثلاثين قبل دخول الغز بغداد سنة سبع و أربعين، فلما جاء شرف الملك سنة ثلاث و خمسين عزم على إحداث القبة و هي هذه، فهدم جميع أبنية المسجد و ما يحيط بالقبر، و بنى هذا المشهد، فجاء بالقطاعين و المهندسين و قدر لها/ ما بين ٥٢/ أ ألوف آجر و ابتاع دورا من جوار المشهد، و حفر أساس القبة، و كانوا يطلبون الأرض الصلبة فلم يبلغوا إليها إلا بعد حفر سبعة عشر ذراعا في ستة عشر يوما، فخرج من هذا الحفر عظام الأموات الذين كانوا يطلبون جوار النعمان أربعمائة صن، و نقلت جميعها إلى بقعة كانت ملكا لقوم، فحفر لها و دفنت، و خرج في ذلك الأساس شخص منتظم العظام له ريح كريح الكافور.
قال ابن عقيل: فقلت: و ما يدريكم لعل النعمان قد خرجت عظامه في هذه العظام و بقيت هذه القبة فارغة من مقصود.
قال: فبعث شرف الملك إلى أبي منصور بن يوسف شاكيا مني و طالبا منه مقابلتي على ذلك، فكان غاية ما قال لي بعد أن أحصرني في خلوة: يا سيدي، ما نعلم كيف حالنا مع هؤلاء الأعاجم و الدولة لهم. فقلت: يا سيدي، رأيت منكرا فاشيا فما ملت نفرتي الدينية.
قال ابن عقيل: و كانت العمارة في سنة تسع و خمسين، و ساجه و أبوابه غصب من بعض بيع سامرا، فما عند هؤلاء من الدين خبر.
أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ، أنبأنا أبو الحسين المبارك ابن عبد الجبار الصيرفي قال: سمعت أبا الحسين ابن المهتدي يقول: لا يصح أن قبر أبي حنيفة في هذا الموضع الّذي بنوا عليه القبة، و كان الحجيج قبل ذلك يردون و يطوفون حول المقبرة فيزورون أبا حنيفة لا يعينون موضعا.
[١] في الأصل: «أبو سعيد».
[٢] في ص: «أمراء».