نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٣ - الشرح والتفسير شروط قادة الجيش
وعلى ضوء ذلك فقائد الجيش ينبغي أن يتعامل مع القادة في المراتب الأدنى، بل مع جميع أفراد الجيش، كالوالد الحنون والامّ العطوف، ويتواصل معهم من موقع المحبّة والسؤال والاستفسار عن حاجاتهم وتعميق العلاقة العاطفيّة معهم فيما يتسبب في بقاء وفائهم وإخلاصهم وطاعتهم لقائد الجيش وثباتهم في ميدان القتال.
ويضيف الإمام عليه السلام في التوصية الثانية:
«وَلَا يَتَفَاقَمَنَ [١] فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ قَوَّيْتَهُمْ بِهِ».
وهذه إشارة إلى أنّ خدماتك مهما تكن كبيرة وكثيرة فينبغي أن تعدّها صغيرة وتفكر في الإتيان بالأفضل منها.
وفي التوصية الثالثة يقول عليه السلام:
«وَلَا تَحْقِرَنَّ لُطْفاً تَعَاهَدْتَهُمْ [٢] بِهِ وَإِنْ قَلَّ».
ثمّ يقيم الإمام عليه السلام دليلًا لهذه المقولة (وهي الاهتمام بالأمور الكليّة والجزئيّة لقادة الجيش والجنود) ويقول:
«فَإِنَّهُ دَاعِيَةٌ لَهُمْ إِلَى بَذْلِ النَّصِيحَةِ لَكَ، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِكَ».
وفي التوصية الرابعة يقول عليه السلام:
«وَلَا تَدَعْ تَفَقُّدَ لَطِيفِ أُمُورِهِمُ اتِّكَالًا عَلَى جَسِيمِهَا، فَإِنَّ لِلْيَسِيرِ مِنْ لُطْفِكَ مَوْضِعاً يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَلِلْجَسِيمِ مَوْقِعاً لَايَسْتَغْنُونَ عَنْهُ».
وهذه النقطة جديرة بالانتباه والتدقيق، وهي أنّ القادة بل جميع مدراء المجتمع الإسلامي لا ينبغي أن يغفلوا عن الأمور الصغيرة والكبيرة، أو يهتموا فقط بالأمور الكبيرة والمصيرية ويعتنوا بالحاجات المهمّة للمجتمع، بل يضعون كلّ واحدة في مكانها، لأنّه أحياناً تكون الغفلة عن الأمور الفرعية مضرّة بقدر الغفلة عن الامور الكلّية.
والنقطة الملفت للنظر أنّ الإمام عليه السلام في جميع المسائل السابقة وبدلًا من اهتمامه
[١]. «لَا يَتَفَاقَمَنَّ» من مادة «تفاقُم» بمعنى الكبير والخطير، من مادة «فقم» على وزن «فهم».
[٢]. «تَعَاهَدْتَهُمْ» من مادة «تعاهُد» ومن مادة «عهد» وأحياناً تأتي بمعنى إيجاد العقد والمعاهدة، وأخرى بمعنى القوامة على الشيء وبالاهتمام به، وما جاء في بعض الروايات أنّ المسلم عندما يدخل إلى المسجد يتعاهد النعالين، إشارة إلى هذا المعنى والتحقيق في نعليه لئلا يكونا ملوثتان، وجاء في حديث شريف عن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله: «تَعَاهَدُوا نِعَالَكُمْ عِنْدَ أَبْوَابِ مَسَاجِدِكُمْ» (بحار الأنوار، ج ٨٠، ص ٣٦٧). وجاءت في العبارة أعلاه بهذا المعنى أي الاهتمام بأمر الجيش.